dimanche 30 octobre 2011

من نقائص العمليّة الانتخابية : رسالة إلى السيّد كمال الجندوبي



لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان.
الشاهر أبو البقاء الرندي.

إلى السيّد كمال الجندوبي، رئيس الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات.
تونس في 29 أكتوبر 2011.
الموضوع : حول بعض نقائص العمليّة الانتخابية.
                               

شهدت البلاد التونسيّة ولأوّل مرّة بعد الاستقلال حسب الملاحظين، انتخابات بهذا الحجم وبهذا التنظيم، وبهذه القدرات الهائلة التي تمّ تسخيرها من قبل الحكومة لإنجاح أوّل انتخابات بعد ثورة 14 جانفي 2011.
وبالرغم من تثمين كل الملاحظين للمجهود الجبار الذي بذلته الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات والهيئات الفرعيّة في الجهات، وباعتبار أنّها المرّة الأولى التي تجري فيها انتخابات بهذا الزّخم وهذه الجديّة وهذا الحرص على الأداء النزيه والشفّاف، فإنّ بعض النقائص برزت على السطح حرصنا على تقديمها للإفادة على ألاّ يفهم من ذلك انتقاد أعمال الهيأة المركزيّة والهيئات الفرعيّة، بل ليست الغاية سوى الحرص على لفت النظر بغية تفاديها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة وهو لعمري عمل يقوم في رأينا مقام الواجب.

من أهمّ هذه النقائص :

·        عدم توزيع الناخبين توزيعا متكافئا بين مراكز الاقتراع، لذا ففي حين أنهت بعض مراكز الانتخابات  عملها على الساعة السابعة مساء، بقيت بعض المراكز الأخرى الى غاية  الساعة الحادية عشر ليلا تباشر العمليّة الانتخابية : مركز البحيرة التابع لمنطقة تونس 2 كمثال.

·        عدم تخصيص قاعات انتخاب أكثر بالمراكز، ففي مركز الانتخاب بطريق سكرة، العوينة خصّصت أربع قاعات فقط للانتخابات فكانت النتيجة انتظار النّاخبين في الطوابير لأكثر من ثلاث ساعات ينتظرون دورهم، وسجّلنا حالات إغماء في صفوف النساء جرّاء طول انتظارهن.

·        عدم توفّر قائمات النّاخبين للتعليق أمام قاعات الاقتراع ليتمكّن الناخب من معرفة عدده الرتبي ممّا ييسّر عمليّة التثبت في دفتر التسجيل ويجعل العمليّة كلّها  تستغرق أقلّ ما يمكن من الوقت.

·        عدم توفير لفائف الورق الصحّي لتجفيف سبّابات الناخبين بعد غمسها في قوارير الحبر الانتخابي بالعدد الكافي. بعض الناخبين تكرّم بتوفير بعض اللفائف وتطوع أحد أعضاء مكتب الاقتراع باقتناء البعض الآخر.

·        عدم تواجد عضو مرشد في ساحة مركز الانتخاب أدخل شيئا من الارتباك على توجيه الناخبين إلى القاعات ولفت أنظارهم إلى التثبّت من بطاقات التعريف وتوجيه الإرساليّات القصيرة للتثبت من مركز الانتخاب.

·        تكليف رئيس مركز الانتخاب برئاسة مكتب انتخاب في نفس الوقت جعل دوره أكثر تشعّبا ممّا كان ينتظر.

·        قيام أعضاء مكاتب الاقتراع بعملهم بصفة متواصلة طيلة 12 ساعة أرهقهم ولم يترك لهم مجالا لتناول غذائهم أو للتحوّل إلى بيوت الراحة في مراكز كان الإقبال فيها مكثّفا: رئيس أحد المراكز تحول لتناول غذائه على الساعة الرابعة والنصف فوجده قد فسد!  لذا فإنّ توفير عضو احتياطي في كلّ مركز لتعويض عضو قار لفترة وجيزة أمر مؤكّد.

·        أعلمنا يوم  لتكوين أنّ بطاقات الانتخاب ستكون في شكل حزم تضم كلّ حزمة مائة ورقة. يوم 23 أكتوبر وجدنا حزما ذات 250 بطاقة  !

·        لم يركز المكوّنون في الحلقات التكوينيّة على أهم جزء في العمليّة الانتخابية وهي تعمير المحاضر وإغلاق الصناديق، بل ركّزوا على تحليل الوضعيّات التي ترتكب فيها أخطاء من قبل الناخبين من شأنها أن تفسد العمليّة الانتخابية، فكانت النتيجة أن كثيرا من رؤساء المكاتب أخطؤوا عند إنهاء العملية الانتخابية وأودعوا محاضر الفرز داخل الصناديق وهذا ما أخّر عمليّة الإدلاء بالنتائج في الإبّان. لذا يستوجب الوضع إبلاء الأيّام التكوينيّة القادمة عناية أكثر.

·        توفير مستلزمات العمليّة الانتخابية يوم السبت في المراكز سجل تأخيرا كثيرا : انتظرنا من الساعة الواحدة بعد الزوال وهو الموعد الذي حدد لنا إلى غاية الساعة السادسة والنصف، خارج المركز ولم يسمح بالدخول لغير رئيس ذلك المركز!!!

·        يوم السبت كان من المفروض أن تكون قائمات أعضاء المكاتب جاهزة. لم يحصل ذلك مما تسبّب في تجمّع الأعضاء المتطوّعين أمام باب مركز الانتخاب ولا أحد كان يدري منهم إن هو أنتدب للمشاركة في العمليّة أم لا؟

·        مشكل بطاقات التعريف وضرورة توفيرها للقيام بالانتخاب أثار كثيرا من الإشكاليّات تجعلني أتساءل : إذاكانت بطاقات التعريف القوميّة تصدر عن مصالح وزارة الداخليّة، وإذا كانت جوازات السفر تصدرعن مصالح الوزارة ذاتها، فلماذا والحالة تلك، لا يسمح للمواطن بتقديم جواز سفره للتعريف بهويّته ؟؟؟

هذه بعض النقائص التي سجلناها، نبلّغها إلى من يهمّه الأمر وأملي أن يتمّ تجاوزها في قادم الانتخابات.
  

من السيّد توفيق الشنّوفي، رئيس مركز الانتخابات بمدرسة طريق سكرة، العوينة، تونس2.           

mardi 18 octobre 2011

جدليّة العلاقة بين الحريّة واللاّحريّة




قضيّتان أثارتا هذا الأسبوع جدلا واسعا احتد و يكتسي درجة متقدّمة من الإثارة بين تيّارين على طرفي نقيض فكريّا وهما تيّار الحداثة و تيّار السلفية أوالرجعيّة أو الماضويّة ...
هذا الجدال ليس غريبا في حقيقة الأمر عمّا يحدث في البلاد منذ 14 جانفي 2011، يوم فكّ لجام الألسن وحرّرت العقول المكبّلة طويلا والممنوعة من التفكير ومن إبداء رأي مخالف لما كان سائدا، في قضايا تهمّ الشّأن العام. ذلك لأنه( الجدال)
 ليس سوى إحدى حلقات مسلسل ، نعلم متى بدأ لكن نجهل منتهاه وإلى أين بنا يسير، مسلسل يقوم بدور البطولة فيه أنصار تيّار سلفيّ،  متستّرين بحزب ديني فاعل في الحركيّة السياسيّة ومعترف قانونا بنشاطه ونجح في زرع خلايا تابعة له في شكل حزيبات تتقاسم معه الأدوار في مسرحيّة يعبّرعنها باللسان الشعبي التونسي بعبارة: " لعبة خاين وقعيدة"!!!
أمّا أهمّ حلقات هذا المسلسل الذي لم ينته بعد فهي :

  • إنزال العديد من الأئمّة من منابر المساجد الجامعة لأنّهم ليسوا من رجال المرحلة! وتعويضهم بأئمّة أغلبهم من فئة الشباب المتحمّسين ، تعوزهم الرصانة أو ما يعبّر عنه ب" الحكمة" عند التطرّق إلى مسائل حسّاسة ،لا يفرّقون عن وعي أو عن غير وعي بين إرشاد المصلّين وتثقيفهم في شؤون دينهم بالموعظة وحسن الكلم وبين العمل الدعائي لتيّار فكري معيّن ، بل منهم من يدعو بصريح العبارة إلى إنزال الحدّ بمن تجرّأ وعرض فلما مسّ حسب رأيهم ب" المقدّسات"!!! كلّ ذلك أمام صمت مريب للدوائر المسؤولة عن الشعائر الدينيّة لوزارة الإشراف.
  • اعتراض المصطافات صيفا ، في الشواطئ ومنعهنّ من السباحة بمايوهات لم تعهد أعيننا منذ عقود غيرها كثياب سباحة نسويّة ، غاية ما في الأمر أنّها تزيد أو تقلّ طولا حسب ظروف الوضع ودرجة " حياء" المصطافة ذاتها.
  • التهجّم على البيعة اليهوديّة بشارع الحريّة بالعاصمة التونسيّة كسابقة لعدم التسامح تجاه فئة من التونسيّين لعلّهم أكثر عراقة وتجذّرا في هذه الأرض الطيّبة من مهاجميهم.
  • الاعتراض العضلي L' opposition musclée أمام قاعة العرض أفريكارت لمنع عرض فلم المخرجة نادية الفاني " لا سيدي لا ربّي" والذي تحوّل عنوانه بقدرة قادر إلى " لائكيّة إن شاء اللّه". وكان ذلك أوّل تنازل!!! 
  • إعلان قيام إمارة إسلاميّة بمخيّم "الشوشة" قرب مدينة راس جدير بالجنوب الشرقي التونسي أين وجد إخوان لنا في نضالهم ضدّ الطاغوت ملجأ يحميهم من نيران كتائب نظام استبدادي منهار هو الآخر.

  • استفزاز طالبة جامعيّة بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بمدينة سوسة إدارة الكليّة بإلحاحها على التسجيل وهي منقّبة بنقاب لا أحد يدري ماذا يخفي تحته، وأمام رفض طلبها لسبب أمني وبيداغوجي، عادت من الغد مصحوبة بمجموعة من " البانديّة" يحملون عصيّا وأسلحة بيضاء، من الملتحين وغير الملتحين، لترويع موظّفي المؤسّسة الجامعيّة وبثّ الرعب في صفوف طلبة علم لا طلبة "بلطجة"، وتبليغهم رسالة مفادها "نحن هنا الآن وغدا، لا شيء يمرّ دون أن تكون لنا عليه رقابة لنمنحه صكّ المرور أو الاعتراض عليه" !!!
  • مهاجمة مقر قناة تلفزيّة خاصّة عرضت شريطا متبوعا بنقاش ، يتطرّق للعلاقة بين الحداثة والأصوليّة ، تدور أحداثه في بلد يمسك فيه الملالي بالحكم بقبضة من حديد، وفيه لقطة تجسّم حوارا بين طفلة وما تمثّله خيالها الخصب والذي لم يدرك بعد أبعاد الفضاء من طول وعرض وعمق، من صورة للإله، لا تختلف كثيرا عن الصور التي رسمها كلّ مسلم أو غير مسلم في ذهنه، عندما كان صغيرا، للذات الإلهية، يحاورها ويلجأ إليها في لحظات ضعفه يطلب منها الصفح والغفران لخطيئة ارتكبها، أو يطلب منها مساعدته على إنجاز فعل ما.
لا علاقة لهذه الصبيّة في رأيي بالصفات الإلهيّة. وهل يطلب من فتاة في مثل سنّها الخوض في هذا المشكل المتشعّب؟ وهل مطالبة هي بأن تكون قد اطلعت على آراء المفكّرين في الصفات الإلهيّة ؟

هل كان عليها أن تعرف مثلا رأي المعتزلة في ذلك، والتي ترى أنّ اللّه :" واحد ليس بجسم ولا شبح ، ولا جثّة ولا صورة، ولا لحم ولا دم ولا شخص، أي أنّ اللّه ليس كائنا ماديّا، ولا جسما إنسانيّا ولا حيوانيّا، ولا يتكوّن من جواهر، ولا تلحقه أعراض، لأنّه لا لون له ولا مجسّة ولا طعم ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول له ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ... ( لا تتجزّأ ذاته ) ولا تبتعض، ليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء ... لم يزل أوّلا سابقا، متقدّما للمحدثات، موجودا قبل المخلوقات، لم يزل عالما قادرا حيّا ولا يزال كذلك... قديم والقدم أخص وصف ذاته، لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة، لأنّ الصفة وصف الواصف، ولم يكن في الأزل واصف ولا اسم، هو التّسمية ولم يكن في الأزل مسمّى، إنّه شيء لا كالأشياء، عالم قادرلا كالعلماء القادرين، حتّى لا كالأحياء لا إلاه سواه".
أي أنّه في نهاية الأمر "ليس كمثله شيء".

هل يطلب منها وهي في مثل تلك السنّ الإلمام بالمتشابه من الآيات، أي تلك الآيات التي يحفّ بها غموض الشبهات والالتباس، في ظاهر بعضها صفات للّه كقوله تعالى : " إنّ اللذين يبايعونك إنّما يبايعون اللّه يد اللّه فوق أيديهم"، وفي بعضها ما يدلّ ظاهرها على الجهة كقوله : "للّه المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه إنّ اللّه واسع عليم" أو قوله تعالى : "إنّ ربّكم اللّه الذي خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى على العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه ذلكم اللّه ربّكم فاعبدوه أفلا تذكّرون"

من منّا في لحظة ما من حياته، طفلا أو كهلا أو شيخا لم يجنّح به خياله في عالم من المتصوّرات والتخيّلات لوجه اللّه أو ليده أو للعرش الذي يجلس عليه، كلّما قرأ ما تيسّر من كلامه أو أنصت لتلاوته؟؟؟

ثمّ ألم تفض هذه الآيات ومثيلاتها إلى مناقشات وجدل أفرز علما برمّته له أصول وقواعد ومبادئ سمّي ب "علم الكلام" والذي يعرّفة الأستاذ محجوب بن ميلاد بكونه ترجمة لكلمة Logos اليونانيّة الدالة على ثلاث معان هي العقل والكلمة والحساب ، فالكلام هو علم الجدال المعتمد على العقل.

  • تنظيم احتجاجات ومسيرات لعشرات الشبّان من الفتيان الملتحي أغلبهم والفتيات" اللاّبسات" جلّهنّ، رافعين شعارات مجّها الرأي العام لكثرة ما كرّرتها الحناجر إلى حد إفراغها من معانيها مثل: " يا ...(صاحب القناة) يا جبان الإسلام لا يهان"!!! علما وأنّهم احتلوا محطّات المترو وأعاقوا النّاس على التنقّل لقضاء شؤونهم، فلا تقل لي بعد هذا أنّ في صنيعهم لا وجود لاعتداء على حقوق المارّة في التنقّل أنّى شاؤوا؟ هذا وقد سبق أن قدّم صاحب القناة اعتذاراته للشعب التونسي. وهذا تنازل ثان!!!
  • المناداة من خلال معلّقات ألصقت على واجهات الدكاكين في الأحياء الشعبيّة وعلى واجهات المغازات في الأحياء الأكثر رقيّا، تدعو إلى مقاطعة القناة في ليلة كذا وعلى السّاعة كذا بهدف "إسقاطها"( القناة)لأنّها" معادية للإسلام وللإسلاميّين وتدعو إلى الإلحاد وتشجع عليه" !!!
القضيّتان هما حريّة التعبير من ناحية والحدود التي يجب أن تقف عندها -  إن اتفق على وجود حدود من عدمه  وتلك قضيّة أخرى- ، والزمن الذي أختير لبثّ فلم برسيبوليس من قبل القناة إيّاها من ناحية أخرى.
ولئن كانت قضيّة الوقت الذي بثّ فيه الفلم ثانويّة في رأيي لاعتقادي أن لا وجود لوقت مناسب وآخر غير مناسب لطرح قضيّة ما، لأنّه علينا تنسيب كلّ شيء ، بمعنى أنّ ما هو مناسب لي زمنا قد لا يراه غيري مناسبا إذا ما نظر إليه من زاوية ذاتيّة، إذ لكلّ منّا دوافعه التي يحدّد على ضوئها الزّمن الذي يرتئيه مناسبا لها. إضافة إلى ذلك فإنّه لا وجود لإختيار بريء براءة مطلقة حسب علماء النّفسRien n'est gratuit  ، وهذا يجرّنا إلى طرح إشكاليّة على علاقة وثيقة بمسألة إختيار الوقت المناسب وهي : من يخوّل له إختيار الوقت المناسب لفعل ما وحسب أية مقاييس يتمّ ذلك الاختيار؟

ليس هيّنا الإجابة على هذه الإشكاليّة لأنّها تدخلنا في متاهات يعسر الخروج منها بتوافق كلّ الأطراف.

إلاّ أنّ القضيّة الأساسيّة في رأيي، والتي أعتبرها حجر الزّاوية في هذا الجدال الذي استحوذ على مجال فسيح من فضاء اهتماماتنا في الأيّام الأخيرة، إنّما هي قضيّة حريّة التّعبير وهي في تقديري الخاص قضيّة "أن نكون أو لا نكون"، لأنّ الحريّة إنّما هي منشد كلّ كائن بشريّ أينما كان، يرى أنّ الحياة التي نعيش لا تكون جديرة بأن تحيا ما لم يتوفّر فيها مناخ من الحريّة المطلقة والتي تعتبر حريّة التفكير والتّعبير أثافيها الأساسيّة وأهمّ تجلّياتها.

ولعلّ انعدام الحريّة، حريّة التعبير تحديدا، في تاريخنا العربي الإسلامي قد ساهم في انحطاطنا الحضاري وأفضى إلى بروز حركات دينيّة / سياسيّة باطنيّة وظاهرة، لا يزال  لها العديد من الأنصار والمريدين إلى يوم النّاس هذا مثل الإسماعيليّة والنصيريّة والقدريّة والجبريّة والمرجئة والزيديّة والخوارج وأصنافها صفريّة وإباضيّة وأزارقة ...وقد كان لها دور خطير ليس فقط في التّاريخ السياسي، بل كذلك في التّاريخ الرّوحي للمسلمين منذ القرن الثّاني للهجرة.

وفي المقابل عندما توفر مناخ الحريّة المشجع على العلوم والمعرفة، واعتبر الإقبال عليهما شرف لا تغني عنه الوظائف السياسيّة أو الدينيّة المقرّبة صاحبها من مصدر السّلطة، بدأ العرب يعيشون أزهى فترات تاريخهم وذلك منذ عهد المأمون.

لقد كان وراء هذا المناخ قرار سياسي اتّخذه المأمون بعد "حلمه الشهير" ببعث حركة ترجمة الآثار الفلسفيّة اليونانيّة وغيرها ، تلك الحركة التي كان عديد النصارى من روّادها بترجمتهم إلى العربيّة الكتب الفكريّة والعلميّة ووضعها بين أيدي طلبة العلم من العرب ومنها كتب فيثاغورس وأبوقراط وجالينوس وأفلاطون وأرسطو ...
ولعلّه من العدل تجاه هؤلاء الذين قاموا بأعباء الترجمة ذكر أسماء أشهرهم أمثال جورجيس بن جبرائيل ويوحنّا بن ماسويه ويوحنّا أبو يحي البطريق والحجاج بن يوسف الورّاق الكوفي وقسطا بن لوقا البعلبكّي وعبد المسيح بن ناعمة الحمصي وحنين بن إسحاق وابنه إسحاق بن حنين وثابت بن قرّة وحبيش الأعسم إبن أخت حنين ...



ويبقى الرهان الذي يستوجب علينا كسبه، رهان الحريّة الذي لم ينجح أيّ طرف كان من الأطراف السياسيّة والفكريّة في تونس خلال العقود الخمس الأخيرة في طرحه للنّقاش على نطاق واسع بسبب إحكام قبضتي نظامين سابقين على الحريّات الأوّل بداعي الحفاظ على تماسك الوحدة الوطنيّة والثّاني بداعي التصدّي للإرهاب، ويعود الفضل في وضعه على محكّ الجدال إلى شباب طفحت كأس صبرهم فنزلوا إلى الشوارع سلاحهم عزمهم على التحدّي ورغبتهم في التغيير، ووسيلتهم تقنيّات الاتصال الحديثة.
لذا علينا اليوم ألاّ نترك هذه الفرصة ، نادرة الحدوث في تاريخ الشعوب، تتسرّب من بين أصابعنا لنحقّق مستقبلا أفضل لأبنائنا من الجيل الصّاعد ومن الأجيال القادمة، مستقبل مغاير لماض حالك فكريّا على الأقلّ علكناه طويلا وطحنته أسناننا غيضا  وأوشكنا أن نقذف به خارج الأفواه من فرط اليأس الذي استبدّ بنا وأنهك نفسيّاتنا التي ما تكاد تخرج من انهيار حتّى تسقط بين براثن انهيار آخر أكثر فتكا وتدميرا لذواتنا.

إنّ الحريّة اليوم هي المحكّ الذي تختبر فيه إرادتنا للبناء والتّشييد وتحقيق التنمية الشّاملة، فإمّا أن نكسبها إلى جانبنا وإمّا لا معنى لثورة 14 جانفي.

إنّ الحريّة هي الأصل وما سواها سراب. وأمّا التقييد وتكميم الأفواه واغتيال العقول ووضع خطوط حمراء يمنع تجاوزها فإنّها  ليست غير استثناء ما أنزل اللّه به من سلطان.

                                                                                         العوينة، تونس، 15 أكتوبر 2011.

mercredi 5 octobre 2011

ثورة الشباب استحوذ عليها ... الشيّاب ... !!!



منذ مدّة ليست بالقصيرة أصبح يعتريني شعور غريب كلّما فتحت جهاز التلفزة للتعرّف على مستجدّات الوضع السياسي في تونس من خلال إحدى القنوات التونسيّة، الرسميّة منها أو الخاصّة ...

أجدني عاجزا على وصف ذلك الشّعور لعجزي عن إدراك أسبابه وبالتالي عجزي عن تجاوزه واسترجاع شيء من سكينة افتقدتها وكانت تساعدني على فهم القليل من تداعيات "ثورة الياسمين" ...

كلّما فتحت الجهاز (التلفزة) إلاّ وأطلّت علي رؤوس ربطتني بها علاقات قديمة تعود إلى نهاية الستّينات وسبعينات القرن المنصرم، أي منذ بدأت أحبو في عالم السياسة وأنهل من كتيبات ونشريّات كنّا تتحصل عليها بالمجان من المركز الإعلامي السّوفياتي "نوفوستي" الكائن وقتئذ بشارع الحريّة، والذي كان يروّج علنا للاشتراكية العلميّة وللفكر اللّينيني تحديدا. وكم كانت سعادتنا كبيرة بتلك "الهدايا" في وقت لم نكن نملك فيه ثمن تذكرة قطار ت.ج.م . لذا كنّا نحتال "للركوب بالمجان" ثم نعتمد طريقة ال Auto-stop للعودة إلى الديار سالمين، يوم لم يكن أصحاب السيارات يتردّدون في مساعدة التلاميذ والطلبة بحملهم في سيّاراتهم عن طواعيّة ...

كم كانت جميلة و... بعيدة تلك الأيّام   !!! C'était le bon vieux temps
 
قلت أنّ الرؤوس التي تطلّ علي من الجهاز السمعي والبصري لم تكن غريبة عنّي رغم زحف ملامح المرحلة الأخيرة من الكهولة وبداية مرحلة الشيخوخة عليها، وما يصحبها من تجاعيد وفقدان للشعر و ... بعض الترهّل بسبب التوقّف عن ممارسة الرياضة و ... كثرة الجلوس على الأرائك الوثيرة وراء المكاتب الفخمة و التنقل في سيّارات لا تشبه السيّارات الشعبيّة في شيء Fonction 
!!!  oblige 

لقائل أن يقول تلك سنّة الحياة. أي نعم لا اعتراض لي على ذلك. وتلك الأيّام نداولها بين النّاس ...

لكن ما أعترض عليه هو أنّ هذه الرؤوس من مناضلي السبعينات و الثمانينات استحوذوا على الثورة ، يجنون ثمارها دون أن يكونوا قد شاركوا فيها مباشرة ... يقومون بأدوار البطولة في مسرحيّة لم يكتبوا فصولها ... يهرولون ويتسابقون إلى الحصول على مقاعد (وثيرة بكلّ المقاييس) في المجلس التّأسيسي ، كما هرولوا بعد 14 جانفي لبعث أحزاب لا ترتقي فيها نسبة الشباب إلى أكثر من 10% من بين منخرطيها، وإلاّ كيف نفسّر العزوف المحيّر للشباب في القائمات الانتخابية وتردد الكثير منهم في التوجّه إلى مكاتب الاقتراع يوم 23 أكتوبر 2011 ؟؟؟
 

أليس مردّ ذلك شعورهم بأنّ فئة أخرى من المجتمع التفت بحنكتها وتجاربها وقدراتها الكبيرة على المناورات وخبثها السّياسي، التفّت على ثورتهم وأفرغتها من المعاني التي شحنوها بها، وأصبحت تجادل في نوعيّة النّظام وكيفيّة سير أعمال المجلس التأسيسي وصلاحيّاته والفصل 15 من القانون الانتخابي ومناصفة قوائم الأحزاب وإجراء الاستفتاء من عدمه وأسباب خروج الحزب الفلاني من الهيئة العليا لحماية أهداف الثورة ... ومن يصلح ليكون الرئيس المؤقّت الموالي وهل يكون من داخل المجلس التأسيسي أو من خارجه وهل أنّ النظام الجديد سيكون رئاسيّا أو رئاسويّا أو برلمانيّا أو في منزلة بين المنزلتين ... ؟؟؟


حركة "أهل الكهف" ★ حركة فنيَّة شبابيَّة تونسيَّة, في إحدى ابداعاتها
http://shr.tn/YId2

هل أن شباب 18 – 25 سنة، الذي فجّر الثورة معنيّ حقّا بهذا الجدال وهذا الصراع الفكري الهام لا محالة في هذه المرحلة الدّقيقة التي تمرّ بها البلاد، هذه المرحلة المفصليّة التي سيتحدد على ضوء ما ستسفر عنه النقاشات، نوعيّة النّظام السياسي وشكل المجتمع التونسي لعقود طويلة ؟؟؟

أليس هموم البطالة والهجرة السريّة والتّهميش والتنمية اللامتكافئة والمحسوبيّة والرشوة وانتشار المخدرات في صفوف الناشئة بشكل أصبح يثير المخاوف والكبت الجنسي الرهيب في صفوف الذكور والإناث بسبب قلة ذات اليد المعيقة على تأسيس علاقات شرعيّة بين الشباب والشابات ...

أليس الجدال في هذه الهموم أولى من الجدال في مشاغل أخرى ؟

أليس الشباب على حقّ حين يعتبرون وجوب إعطاء الأوّليّة للمسائل الاقتصادية والاجتماعية ؟؟؟
راجعوا صفحات الشبكات الاجتماعية وما تتضمّنه من مشاغل إن كنتم لا تعلمون.
تحدثوا مع الشباب، اقتربوا منهم، استمعوا وأحسنوا الاستماع لمشاغلهم في المقاهي والمترو وساحات المعاهد وفي بطحاء أي حي شعبي أين يتسامرون على ضياء القمر لتقاسم الآمال و... الآلام وربّما السقوط في المحظور لأنّ لا دواء للكساد والفلس والميزيريا إلاّ الفساد كما يشاع !!!

استمعوا إليهم جيّدا وقاسموهم أحلامهم. مدّوا أيديكم للأخذ بأيديهم ووضعهم على أولى درجات سلّم الرقيّ. حببّوهم في هذا الوطن وستكتشفون مناجم من ثروات قابلة للاستثمار الطيّب الذي ينفع البلاد والعباد.

سأواصل التمسّك بإيماني بأنّ في شخصيّة التونسي جين نادر ما زال خامدا ولم يتفتّق بعد وهو جين الإبداع. وفّروا لهذا الشباب ظروف العمل والعيش الملائمة وستدركون قدراته على الفعل.

لكن أين هم السياسيّون من مشاغل الشباب ؟
 لقد نجحوا في تأسيس لجنة عليا للدفاع عن أهداف الثورة ولم يؤسّسوا هيئة عليا لتدارس القضايا الاقتصادية والاجتماعية .
 يغمرني إحساس بأنّ الثورة توشك أن تنحرف عن مسارها الحقيقي وعن الشعارات التي رفعتها : كرامة، حريّة، مقاومة الفساد، واستحقاق التشغيل.
ماذا أنجز إلى حد اليوم لمعالجة معضلة التشغيل؟ ما هي الحلول المطروحة ؟
نحن لا نرى غير أحزاب تأسّست بعد 14 وتتحدث عن مخططات لتشغيل مئات آلاف العمّال !
أين هي هذه المخطّطات ؟؟؟ لعلّها في علم الغيب.

أهل الكهف


إن الثورة التي قادها الشباب بصدد التحوّل إلى ثورة وقودها الشباب، استفاد منها الكهول الذين منعوا طويلا من فرص التعبيرعن آرائهم ووجدوا في سقوط نظام ابن علي (هذا إذا ثبت أنّ النظام البنعليلي قد سقط فعلا و بالكامل) فرصة لا تعوّض لممارسة هوايتهم الوحيدة التي طالما مارسوها أيّام الجامعة وهي النقاشات التي كثيرا ما تتحوّل إلى نقاشات ... بيزنطيّة.

إنّ أغلب رؤساء الأحزاب اليوم يزيد سنّهم عن ستّين سنة، أي أنّهم دخلوا مرحلة التقاعد الإداري وسنّ اليأس السياسي، فهل هذا حقّا ما أفرزته ثورة... الشّباب ؟؟؟ 
 
أما آن لهؤلاء المسنّين الذي عجزوا عن إزعاج نظام ابن علي ولم يحاولوا حتّى مجرد الاعتراض عليه، أن يتركوا المجال لأبنائهم الشبان الذين ركبوا الأخطار غير عابئين بسلطة باغية لم يثنها عن قصف المتظاهرين في القصرين وسيدي بو زيد غير مواقف من حافظ على بذرة الرجولة فيه و جبنها الذي دفعها إلى تهيئة "الفاليجات" بسرعة ومغادرة البلاد وتركها لأهلها "واسعة وعريضة"، و أهلها أولى بها من الفجرة الذين لا يحملون بذرة وطنيّة بين أضلعهم.

بإمكان شيوخ الأحزاب الوقوف في الصفوف الخلفيّة لتأطير الشبّان وإفادتهم بما راكموه من تجارب وحكمة.
أليس هذا أفضل من أن نجبر على القول أنّ ثورة الشّباب استحوذ عليها الشيّاب ؟؟؟

             مع تحيّات شايب، مسمار مصدّد، كيما العود إذا شراف لا عاد يجي منّو لا فركة ولا مخطاف!
             وعاش من عرف قدرو.

samedi 1 octobre 2011

مفهوم المواطنة وحزب النّهضة



حصل شبه توافق بين أغلب الأحزاب السياسيّة والمنظّمات المدنيّة بعد الثورة في تونس، على وجوب أنّ يكون النّظام الجديد المنتظر إرساؤه بعد انتخاب أعضاء المجلس التّأسيسي يوم 23 أكتوبر 2011،  نظاما مدنيّا، قوامه مفهوم المواطنة.

ماذا يعني هذا المفهوم ؟

المصدر مقال في مدونة تجليات فلسفية
http://shr.tn/Z9up
ما هي الأسس التي بني عليها ؟



  تاريخيّا، يعود هذا المفهوم إلى عصر الأنوار الذي عاشته البلدان الأوروبيّة الغربيّة وتحديدا فرنسا وبريطانيا في القرن الثامن عشر، والذين شهدا بروز "فلسفة الأنوار"، التي أسّس لها مفكّرون وفلاسفة من فرنسا أمثال فولتير وديدرو وج.ج.روسو وديكارت قبلهم، ومن بريطانيا أمثال جون لوك وتوماس هوبسن، إلى جانب فلاسفة من ألمانيا (بروسيا وقتئذ) مثل إيمانويل كانت.
  طرح هؤلاء مفهومين جديدين آنذاك وهما : العقل والحريّة.

 أمّا العقل فهو حسب ديكارت "أعدل الأشياء توزّعا بين النّاس"، وهو أداة التّفكير الدال على وجود الإنسان : "أنا أفكّر إذا أنا موجود"، ومقفزة Un tremplin للوصول إلى حقيقة الأشياء . فهو أساس التفكير النيّر والنّقد البنّاء لما سيطر على المجتمعات طويلا من أساطير ما أنزل اللّه بها من سلطان ومن أراجيف وأحكام مسبقة.

  وأمّا الحريّة التي يعرّفها ديدرو بكونها "هبة من السّماء ولكلّ فرد حقّ التمتّع بها طالما أنّه يتمتّع بالعقل"، فإنّها أساس لا تستقيم الحياة الكريمة بدونه، ولها أوجه عدّة منها حريّة التفكير والتعبير للتصدّي لكلّ أشكال الظّلم والقهر والعسف والعبوديّة.

  ولقد مكّن العقل الحرّ من مناهضة الحكم المطلق الذي قبعت أوروبا قرونا طويلة في ظلّه بمشاركة ومباركة الكنيسة وتزكيتها سلب الأنظمة السّياسيّة النّاس حريّة تقرير مصيرهم، وحقّهم في اختيار من يتولّى أمرهم بإرادتهم هم، لا بإرادة فئة نصّبت نفسها عليهم تحكمهم بمقتضى "الحقّ الإلهي"، كما كان يقول لويس الرابع عشر في فرنسا : "نحن لا نتلقّى تاجنا إلاّ من اللّه وإلينا وحدنا يعود حقّ سنّ القوانين دون مشارك أو حسيب" . وكذلك كان يحكم خلفاء بني أميّة وبني العبّاس والفاطميّين، الذين منهم من اعتبر نفسه الأولى بالحكم باعتبار انتسابه إلى"آل البيت" ، ومنهم من كان يرى أنّه "ظلّ اللّه في الأرض" والمؤتمن على خزائنه، بل أنّ منهم من أضفيت عليه صبغة القدسيّة والذي قال فيه الشّاعر:


  لقد أنهت "فلسفة الأنوار" النظام الإقطاعي، ووضعت حدّا للحكم الاستبدادي المطلق، وقلصت إلى حد كبير من سيطرة الكهنوت المسيحي، ورفعت الإنسان إلى مرتبة المواطنة، وفكّت قيود العقل، ونشرت مفهوم الحريّة، وجعلت العقل رديفا للحريّة وملازما لها فلم يعد لأحدهما معنى بدون الآخر، إذ لا معنى للعقلانيّة كاملا إن لم تكن في خدمة التحررّ ونشر الديمقراطيّة وتكريس مفهوم المواطنة، ولا معنى للتحرّر بمعزل عن العقلانيّة، لأنّ الأمر يصبح حينها عبثيّا ومشجّعا لبعث مناخ من الفوضى الهدّامة .


La liberté guidant le peuple, Delacroix © Musée du Louvre
الحرية تقود الشعب : متحف لوفر فرنسا
http://shr.tn/m4Bt

  ولقد نهلت الحركة الإصلاحيّة في العالم العربي من الفكر التنويري الأوروبي الغربي ، وارتوت من المحاولات الأولى لإصلاح الإمبراطوريّة العثمانيّة في القرن الثامن عشر رغم تعثّرها في عهد السلاطين أحمد الثالث (1703 – 1730 ) ومصطفى الثالث (1754 – 1773 ) وسليم الثالث ( 1789 – 1807 )، قبل أن تتأثّر مباشرة بالأفكار الإصلاحيّة لرواد النهضة العربيّة الحديثة من أمثال جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وكذلك رفاعة رافع الطّهطاوي وعبد الرحمان الكواكبى وفرح أنطون بالمشرق العربي، وخير الدين التونسي وسليمان بوحاجب وأحمد بن أبي الضّياف والطاهر الحدّاد وعبد العزيز الثعالبي ومحمد الطاهر بن عاشور والحبيب بورقيبة في تونس.


  أغلب هؤلاء المصلحين هم من الأبناء الروحييّن للفكر التنويري الذي حرّر الإرادة الإنسانيّة بجعله الإنسان كائنا مسؤولا عن صناعة مصيره بممارسته لحريّة الاختيار، تلك الحريّة التي أعادت له إنسانيّته ومكنته من أدوات التخلّص من قداسة الحكم السياسي التي أسّس لها مصادرو حريته باسم الدين، من المنتمين إلى الحركات والأحزاب ذات القاعدة الدّينيّة في عالمنا العربي، ومنها حزب النهضة الذي يتنزل هضمن القوى السياسيّة الإسلاميّة التي تختزل دينا توحيديّا عظيما وهو الإسلام، في مجرّد خطاب سياسي، وتقوم بأدلجته محوّلة إيّاه إلى مجرّد برنامج عمل دنيويّ مرتكز على مفاهيم عصريّة يعكسها البرنامج الذي قدمه زعماؤه في تونس يوم 14 سبتمبر 2011، ومنها:

  • اعتماد الديمقراطيّة
  • التأكيد على حقوق المرأة في المساواة في التعلّم والمشاركة في الحياة العامّة ( وماذا عن المجالات الأخرى كالترشّح للمناصب السياسيّة ومنها رئاسة الجمهوريّة على سبيل المثال؟)
  • تبنّي نموذج الدولة المدنيّة، والعمل على قيام مجتمع مدنيّ منظّم ومستقلّ يسعى إلى تحرير طاقة الأفراد وإشراكهم في الشّأن العام
  • ترسيخ الحريّات العامة والخاصّة

  هذا يعني أنّ حزب النهضة يهدف إلى تكريس انطباع لدى الرأي العام على أنّه حزب مدنيّ لا فرق بينه وبين الأحزاب الأخرى على مستوى الخطاب على الأقلّ، وهذه رنّة جرس جديدة تعكس تطورا لفكر هذا الحزب، رنّة متعارضة تماما مع ما سبق أن روّج له من نمط تفكير ماضويّ، ومن توهّم بأنّ ما كان صاحا وجيّدا في القرن السابع / الأوّل للهجرة سيبقى صالحا وجيّدا في القرن الواحد والعشرين ، وهو ما يستشف من البيان الأوّل الذي أصدرته حركة الاتجاه الإسلامي يوم 6 جوان 1981 والذي تناسى فيه الاتجاه وقتئذ أنّ الظروف والسياق والمحيط والإنسان ذاته قد تغيّر ، وأن لكلّ عصر مفاهيمه التي تفرض نمط تفكير وسلوك معيّن قد لا يتماشى مع عصور أخرى ، وأنّ الإنسان الذكيّ والواعي والمنتبه لحركة التّاريخ لا يسعه إلاّ مراقبة ومرافقة التحوّلات والتّأقلم معها، لا الثّبوت وإضفاء الاستمرارية والتواصل اللآّمتناهي على مفاهيم ماضويّة وسلوكات موروثة عن السلف (هذا إن صح انتسابها إلى السلف الصّالح ولم تتسرب إليها مدخلات لا علاقة لها بسلوكه)، ليدخل بذلك في خانة اللاّتاريخ، إذ ليس من المنطقي في شيء التمسك بمفاهيم العصور القديمة وإسقاطها على واقع دنيويّ متحرّك ومتحوّل باستمرار، لأنّنا نكون بذلك قد جانبنا الحقيقة وخلطنا الأزمنة خلطا غير سليم وغير متطابق ومنطق الأشياء. فكيف يمكن اشتقاق المستقبل من الماضي وإهمال ما طرأ من تطوّرات طبيعيّة بين الفترتين؟

 أليس هذا هو الجمود المناقض للطبيعة المتحرّكة؟

  ثمّ انّ ما أقدمت عليه الحركة من مشاركة في التوافقات التي انبثقت عن هيئة 18 أكتوبر حول حقوق المرأة والدّين والدّولة، وكذلك برنامجها الأخير المتضمّن ل 365 نقطة ( يوافق عدد أيّام السنة المدنيّة لا السنة القمريّة!)، ليس في رأيي سوى مرحلة من مراحل الإستراتيجيّة التي تتوخّاها الحركة لتغطّي بها ماهيتها الحقيقيّة وهي أنّها حركة دينيّة بحتة. والدّليل القاطع على ذلك مشاركتها بعد 14 جانفي 2011 في عمليّة تعويض أئمّة المساجد بإطاراتها الذين اتّخذوا من بيوت اللّه منابر للدّعوة إلى أطروحاتهم الحزبيّة، ومراوغاتها للتنصّل من الإقرار بمبدأ فصل الديني عن السياسي،  بل لا ترى موجبا لذلك، حسب ما جاء على لسان سمير ديلو، عضو الهيئة التّأسيسيّة لحركة النّهضة في جريدة المغرب ليوم 17 سبتمبر 2011، والذي صرّح بأنّ "القوانين المفرغة من الانتماء الحضاري للشعوب تفتقد الفاعليّة"، وتجييشها  لبيادق تحرّكها للتصدي لحريّة الإبداع بمناسبة عرض فلم "لا ربّي لا سيدي" للمخرجة الفاني في قاعة أفريكارت بالعاصمة، وقبل ذلك التظاهر أمام البيعة اليهوديّة الكائنة في شارع الحريّة بمدينة تونس . أليست هذه خير أدلّة على ازدواجية الخطاب الذي طالما أتّهم به أعضاء حزب النهضة الذين يدّعون مدنيّة حزبهم، لكن لا يملكون من الجرأة ما يقطع مع الصبغة الدينيّة الماضويّة التي تلاحقهم إلى يوم النّاس هذا.

  إنّ لكلّ زمان ولكلّ مكان إيديولوجيته وسياقه. وهذا الزمان، زمان "الرّبيع العربي"، الذي تفتّحت أزهاره الأولى في حدائق تونس الغنّاء، وملأ عبقها وشذاها آفاق الوطن العربيّ الرحب، هو بحقّ زمن يجب أن يعاد فيه لمفهوم المواطنة معناه الحقيقي ، وأن يعاد فيه ما منحته الطبيعة للإنسان وكذلك الشرائع سماويّة كانت أو وضعيّة من حريّة التفكير والتعبير والاختيار والممارسة لطقوسه، في مناخ من التسامح واحترام الآخر، المختلف عنّا لأنّ  الاختلاف لا يولّد ضرورة العداوة.

  فهل أنّ الأحزاب السياسية في تونس اليوم عامة وحزب النّهضة تحديدا، مستعدّة ومقتنعة بالتنافس في مناخ يضمن للمواطن التونسي ممارسة قناعاته بكامل الحريّة، والتمتّع بمواطنته دون مغريات اشتراء الأصوات ودون قيود أو تهديدات ظاهرة كانت أم باطنية؟
أم ترانا نناشد " ياسمينا آخر" ولو بعد حين؟؟؟