vendredi 14 juin 2013

*من هنا نبدأ


إن اللّه لا يُغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "
( سورة الرعد، الآية 11 )
" لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله "
( حديث )

لا يخفى اليوم على من يملك بذرة من بصيرة، خطورة الوضع الذي نعيش بعد حوالي سنتين ونصف من ثورة الكرامة التي لم يُحقق من أهدافها سوى حريّة التعبير والتي كثيرا ما سقطت في " مستنقع فوضى التعبير "...
ولعل أبرز مظاهر هذا الخطر، احتداد ظاهرة العنف المُسلّح الذي تحصّن مُمارسوه في الأيام الأخيرة بجبل الشعانبي فيما يبدو أن زعيمهم المُفتّش عنه منذ واقعة جامع الفتح،  بقي في العاصمة يصدر رسائله للحكومة ويرى أنّها  تستعجل المعركة  ...
هذا العنف بات يهدد مجتمعنا في أدق تفاصيل الحياة اليوميّة، لذا يتحتم مُواجهته لا بذات السلاح، أي العنف المُسلّح ، بل باجتهاد كل الأطراف السياسية، ومُشاركة كل من يهمه شأن هذا الوطن، والتوافق على حزمة من إجراءات عاجلة تطبّق على الفور، وأخرى آجلة لما يتطلّب ضبطها من دراسة مُعمّقة لأنّها تتعلق بصير البلاد لعُقود قادمة ...





1) الإجراءات العاجلة
   هي جملة من الإجراءات أهمها في رأيي :
 نشر الاستقرار بإعادة الأمن إلى الشّارع ومنه إلى نفوس المتساكنين، وذلك بوضع حد للعنف بجميع أشكاله، بدأ باللفظي منه والذي يُروّج التخوين والتكفير، ووصولا إلى تطهير الجبال من العبوات الناسفة، ورفع الفضلات المكدسة في شوارع المدن.

 التوقف عن غض النظر عن خطاب التشدد الديني وعن استقدام دعاة يفرخون لنا فيالق المتشددين المكفرين بشرعيّة الدولة.
  
 إزالة الاحتقان الاجتماعي وإعلان  هدنة اجتماعية، تقوم فيها المنظمات الشغيلة بإقناع العمال بحتميّة التعليق المؤقت  للإضرابات والاحتجاجات العنيفة وللمظاهرات الفوضويّة وللاعتصامات الوحشيّة ولقطع الطرق ولتعطيل تنقل البشر والبضائع حتى وإن لم تكن تلك  المنظمات طرفا في أغلبها.

 مزيد الحزم في مراقبة الحدود الترابية والبحرية مع تشريك المواطنين في ذلك بجعلهم طرفا في استراتيجية الدفاع عن المصالح الوطنية العليا.

 الانكباب بأكثر جديّة على مُعالجة مشاكل الغذاء والفقر والتشغيل والتغطية الصحيّة وتذليل الفوارق الجهويّة على مستوى التنمية، بتعصير البنية التحتيّة في المناطق النّائية عن التجمعات العمرانية الكبرى وتشريك السلطات الجهوية في أخذ القرار، مما يبعث الطمأنينة في نفوس السكان ويُشعرهم بأن الحكومة جادة في مساعيها للاستجابة لمشاغلهم حتى وإن كانت تلك الحكومة مؤقتة.

 مُراجعة السياسة الجبائيّة و بما يُضفي عليها صبغة العدالة، وذلك بالقضاء أكثر ما يمكن على ظاهرة التهرب الجبائي، وبتدعيم روح التكافل الاجتماعي بين مُكوّنات المُجتمع.

هذه في رأيي بعض الإجراءات العاجلة التي بها يمكن الشروع في عمليّة إنقاذ البلاد وفي إعطاء المعنى الحقيقي لمفهوم الوحدة الوطنيّة، على ألاّ تبقى معزولة عن بقية الإجراءات في مجالات أخرى، بل لا بد، إذا أردناها مضمونة النتائج، أن تتنزّل ضمن استراتيجية يتكامل فيها الأمني مع الواقعي مع السياسي مع الثقافي ومع الاقتصادي، يُحلّيها خطاب عقلاني يستند إلى القدرة على أخذ القرار الحازم في الوقت اللاّزم، قرار لا يُهمل أيّ شكل من أشكال العنف، ولا يعتبر مواقف المُعارضة تهويلا وسعيا إلى تعطيل أعمال الحكومة، وينأى قدر المستطاع عن الأنانيّة السياسية والحسابات الحزبية والفئويّة الضيقة الساعية إلى استغلال مصاعب الحكومة لابتزازها والحصول على مكاسب ومواقع جديدة على المسرح السياسي.



2) الإجراءات الآجلة
تتطلب وقتا من التفكير المعمّق لتحقيق تشاركيّة كل الأطراف سواء منها الفاعلة فعلا مُباشرا في الحياة السياسيّة، أو تلك المُنضوية تحت غطاء المجتمع المدني وكذلك  المنظمات العماليّة والثقافيّة والفنيّة وغيرها من المنظمات الأخرى، وأهم هذه الإجراءات:

 إعادة الاعتبار لقيمة العمل وجعلها في مقدمة جدول القيم التي تنهل من روح الثورة لغرسها في وعي ولا وعي المواطن التونسي، بدأ بالناشئة في كل درجات المؤسسات التربويّة وصولا إلى العمّال في المصانع والموظفين في الإدارات العمومية وحتّى الخاصة، ولدى أصحاب المشاريع الصغرى والمتوسطة والكبرى. على كل هذه الأطراف الفاعلة في جهاز الإنتاج أن تضع قيمة العمل نصب أعيُنها وأن تجعله أسّ إيمانها. أليس العمل ضرب من ضروب حب الوطن؟ أليس حب الوطن من الإيمان؟
لا خير إذا في حبّ للوطن يكون خاليا من السعي والجد والكد لتحقيق مناعته وتدعيم قدراته، ويكون خاليا من عقد أبنائه العزم على تجويد مردودهم وتقديم المصلحة العامة على المصلحة 
الخاصة.

 التفكير في انجاز ثورة ثقافية تعيد النظر في موروثنا الثقافي وتتناوله بالدراسات النقدية، لتفرز غثه من سمينه، وتقدمه لنا في نسخة متحركة لا جامدة متأقلمة مع متطلبات عصرنا الذي نعيش لا مع مُتطلبات عصر يعود بنا القهقرى ويُبرزنا في مظهر من تجاوزته الأحداث والتطلّعات المستقبليّة. ثورة تقطع نهائيّا مع الرداءة والمحسوبيّة و تدبير الرأس مهما كانت الوسائل، وتضع حدا لسياسة دز تخطف .

 إعادة النظر في المنظومة التعليميّة إذ لا إصلاح اقتصادي واجتماعي وسياسي لا يقوم على إصلاح مناهج وطرق التعليم وذلك بالتخلي عن الأسلوب التلقيني المعتمد على النقل، ووضع بديل له يقوم على العقل وعلى استفزاز المُتلقي  ودفعه ومُرافقته مُرافقة ذكيّة ليُحسن التفكير والتدبّر حتّى يُدرك الحقيقة العلميّة ومنها يساهم في دفعها وتجويدها بالابتكاروالاختراع والاكتشاف،  والانتقال من درجة المستهلك لما تبتكره الأمم الأخرى إلى درجة المُنتج للتكنولوجيا، درجة المتبوع لا التابع، فيكون بذلك  جديرا بحمله صفة الإنسان الذي كرّمه اللّه على بقيّة الكائنات وتحدى من أجله ابليس والملائكة.

 مراجعة طرق الإمتحانات والتخلي عن الإرتقاء الآلي وعن إسعافات مجالس الأقسام واعتماد الجدارة والكفاءة و التأسيس لثقافة الجد والكد وبذل الجهد و إقناع أبنائنا بأن لا نجاح بدون عمل.
وعسى أن يكون لهذه الإقتراحات صدى عند من يهمّه الشّأن الوطني.


*إسم كتاب لعلي عبد الرازق شيخ الأزهر الذي اطرد من منصبه بعد كتابه أصول الحكم في الإسلام  

lundi 3 juin 2013

فكر حركة النهضة والدستور


﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
سورة المائدة 105  

﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُوْنَنَّ مِنَ الْجَاهِلِيْنَ﴾.
سورة الأنعام 35

المصدر : أنيس شلبي : فايسبوك
http://www.facebook.com/ledessindujourAnisChelbi


   لا يُشكّل الدستور اليوم حجر الزاوية في الفكر السياسي لقادة حزب حركة النهضة، على عكس أغلب التيّارات السّياسيّة الأخرى، التي تعتبرُه العُنصر الأهمّ لتركيز حياة سياسيّة جديرة بمن فجّر ثورة ضد الطُغيان والاستبداد والقهر والحرمان والبطالة ليسترجع كرامة أهدرها نظام موغل في الجهل والأنانيّة، لأنّ ما يُشغلُهم ويُشغل عُملائهم من السلفيين، مهما اختلفت مشاربُهم وتفرّعاتهم بين علميّة وإصلاحيّة ودعويّة وجهاديّة ... إنّما هو السّيطرة المُحكمة على البلاد. تلك هي بلا مواربة إحدى الأثافي الأساسيّة للفكر النّهضوي ...
وضعُ اليد على كل مفاصل الدولة ودواليبها هي أولويّةُ الأولويّات عندهُم بعد أن منحهم " القدر " فرصة الارتقاء إلى دفّة حُكم لم  يكُن أكثرُ زُعمائهم تفاؤُلا يحلُم بالاقتراب منه حتّى، على الأقل في الآجل المنظور ...
لذا، والوضعُ على ما هو عليه، فلا سبيل إلى التخلّي عن حُكم لم يُشاركوا في الإطاحة بما سبقه مُشاركة مُباشرة، ولم يُشاهدوا  بين المُتظاهرين في شوارع مُختلف المُدن التونسيّة من تالة إلى القصرين إلى فريانة إلى منزل بوزيّان إلى صفاقس وُصولا إلى العاصمة، ومُرورا قبل ذلك بالحوض المنجمي سنة 2008، حيثُ بدأت تتهيّأ مُمهّدات ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي 2011، وبعاصمة الحضارة القبصيّة العريقة قديما ، وعاصمة المناجم حاليّا، ذات الرصيد النضالي التاريخي، والتي كانت معقلا للمُعارضة اليوسفيّة في خضمّ الفتنة التي وضعت جناحي الحزب الحر الدستوري التونسي وجها لوجه،  إزاء موقف كل منهما من الاستقلال الداخلي، ثم معقلا للنضال العمّالي- اليساري ضد النظامين السّابقين، و ما زالت تنهل من تراثها الاحتجاجي لتغذي رفضها البنّاء والإيجابي لكل انحراف عن المسار الثوري، رفض هو أُسّ الثقافة الاحتجاجية المُنغرسة في أعماق سكّانها 
الصامدين في وجه كل أشكال الضيم، الاجتماعي منه تحديدا ...

تونس ديمة صامدة : قرطاجنة : فايسبوك
https://www.facebook.com/Carthagina 

وعليه فإنّ المشغل الأساسي ، والرهان الأشد تعقيدا في الفكر النهضوي اليوم، هو التغلغُلُ داخل النسيج المُجتمعي، ليتمكّن  حزب حركة النّهضة من استقطاب أكثر ما يُمكن من المُؤيّدين لأطروحته، في انتظار الانتخابات التي هو من يهيئ ظروف إنجازها ويُحدد تاريخها، ليضمن الفوز بها بأغلبيّة ساحقة لا أغلبيّة مُريحة.
 هذه الخُطوة الضروريّة الأولى، أمّا الخُطوة الثانية فهي التسرّب إلى دواليب الإدارة للتحكّم في أدقّ دقائق هياكلها وللتمكّن من القوانين لتطبيق ما يخدم مصالحه منها وتجميد ما يتضاربُ معها...
   وإذا كان الدستور في شرع العُقلاء يحظى بعُلويّته على كل القوانين الأخرى، وأنّ النقاشات حول فُصوله على قدر من الأهميّة وتتطلّبُ كل الجُهد واليقظة والإحاطة بكل الجزئيّات والمهنيّة من قبل المُختصّين في القانون الدستوري قبل السياسيين، فهو ثانوي الأهميّة في الفكر السياسي النهضوي، ولا تكمُن أهميّته إلاّ في مقدار ما يسمحُ بتمطيط النقاشات وإثارة الإشكاليّات المُتعلّقة بهويّة الدولة وبمدنيّتها وبتكميل المرأة للرجل ...
   لمسنا ذلك من أحاديث زعيم حركة النهضة وقائدها الروحي راشد الغنّوشي التي تسرّبت في مُناسبة أولى عند حديثه مع أحد قادة السلفيّة الوهابيّة، البشير بن حسن، والذي جاء فيه ما يلي:
" القانون يا سيّدي يُفسّرُه القويّ، إذا كنّا أقوياء سنُفسّر هذا القانون(مجلّة الأحوال الشخصيّة )، سنُقصي منه أشياء وندعُ أشياء، المهمّ أن نُثبّت الوُجود الإسلامي في هذه الابلاد."
أمّا المُناسبة الثانية، فكانت حديثُه مع بعض قيادات السلفيّة إذ دعاهم فيه إلى:
" التريّث حتّى يتمكّن الإسلاميّون من السيطرة على مفاصل الدولة... حينها تُصبح الدساتير والقوانين أمرا شكليّا..."
لذا فإنّي أرى أنّ الدستور وما يدور حولهُ من نقاشات هو لُعبة حزب حركة النّهضة لتحويل وجهة الشعب ونُخبه عمّا يدور في الكواليس الإداريّة من تعيينات تبدأ من العمدة لتنتهي عند الوالي ومُرورا بالمُديرين وبالرؤساء المديرين العامين المُشرفين على المُؤسّسات العُموميّة بما يضمنُ التحكّم في الإدارة بقبضة من حديد.
والحقيقة أن كلّ ما يحدُث منذ أن أسفرت انتخابات 23 أكتوبر  2011عن نتائجها لا يدعو إلى الاستغراب لأنّه نابع من عُمق الفكر النهضوي سليلُ الفكر الإخواني، ذلك أنّ الإخوان المسلمين كحركة أسّسها حسن البنا ( 1906-1949) في مدينة الإسكندريّة سنة 1928، والمُلقّب بين أنصاره ب" الإمام الشهيد "، هي حركة دعويّة سلفيّة، وطريقة سُنيّة، وجماعة إصلاحيّة تفهم الإسلام فهما شاملا حسب ما ورد في مضمون رسالة المُؤتمر الخامس لمُؤسس الحركة. وهي حركة فكريّة لا تُؤمنُ بالديمُقراطيّة، التي يراها الأب الروحي للسيد راشد الغنّوشي، أبو العلاء المودودي(1903-1979)
" تأليه للإنسان "، ويراها خليفة أسامة بن لادن، أيمن الظواهري" دين وضعي كافر ". كما أنها لا تُؤمنُ بالبرلمانات التي تُشرّعُ للناس فتجعلُ نفسها بذلك ندا للمُشرّع الأكبر وهو اللّه وشريكا لهُ في رُبوبيّته، وتضعُ بذلك نفسها موضع الخالق تعالى بينما التّشريع لا يكون إلاّ للّه ، والحُكم له وحدهُ، حسب ما يراه السيد قطب (1906-1966).

حسن البنا


لا غرابة إذا أن تجعل حركة النهضة من مُداولات الدستور ملهاة وأمرا ثانويّا،  مُقارنة بمراكز اهتمام أخرى تحرص على إيلائها كل جهدها لتتمكّن من التحكّم في البلاد، ولا يُقلقُها كثيرا طولُ المُناقشات حول فُصول مُسودة الدستور ما لم تتهيّأ بعدُ الظروف التي تضمن تأبيدها لمُراقبة مراكز القرار في البلاد عبر:
- تركيز شبكة اجتماعيّة قويّة في العُمق التونسي تُعتبر القوافل التضامُنيّة والطبيّة أحد أدواتها.
- نشر ثقافة استُخرجت من الكُتب القديمة،  تنبعثُ منها روائح الانغلاق والجهل والتكلّس الفكري،  تكفّل دُعاة استضافوهم من بُلدان لا تعتبر المرأة فيها كائنا كامل الحُقوق والواجبات، ولا يُسمحُ لها باستخراج بطاقة هويّة أو بقيادة سيّارة، بنشر فكرهم السلفي.
-  السيطرة على لآلاف المساجد بتنصيب أئمّة مُوالين لهم يمرّرون خطابا مشحونا تكفيرا وشيطنة لمن لا يشاطرونهم الرأي من المُثقّفين والإعلاميين والمسرحيّين، بلغ حد التحريض على القتل الذي كان الحقوقي شكري بلعيد أحد ضحاياه.
- الاعتماد على أذرعة تُروّج العُنف والإرهاب لكل من يُخالف الطرح النّهضوي، تُمثّلُها " لجان حماية الثورة ".
وهكذا فإنّ حركة النهضة لا تعترف بما اتفقت أغلب الأمم على اعتباره المنظومة الأكثر عدلا لتنظيم المجتمعات وتسيير شُؤونها ، وهي الدساتير التي تضمن حقوق وواجبات الجميع بدون استثناء، وتعترف  فقط  بما تراه من خلال قراءة أحاديّة للموروث الديني المُشترك، تُجبر الآخرين على اتباعه تحت التهديد بتكفيرهم وبإهدار دمائهم. إن هذا ليس بغريب على من شعارُه: تنظير فتكفير فتفجير... وللّه في خلقه شُؤُون...

mercredi 29 mai 2013

حكومة مشات وحكومة جات... واسأل على صاحبك ستغناش؟

   

هاذيكة الدنيا، وتلك الأيام نداولُها بين النّاس ... مشات حكومة الجبالي وجات حكومة العريّض ، ولربّما تجي حكومة اللّوز أو حكومة شورو ... واللّه يرحمك يا صالح كركر ترزيت في شبابك قبل ما تاخذ فرصتك في تشكيل حُكومة ... على كل حال ما ضاع شيء، هاو الشيخ مورو مازال حي يرزق وربّي يطوّل في عمرو، ولعلّ يلحقو الطش، أما موش متاع سليانة على خاطر وقتها النهضة تولّي تدور على صوابعها تاكلهم كيف القرنيط، ولو أنها قامت بالأعمال هذي من قبل، واسألوا صالح كركروخميس الماجري وغيرهم ... واللّي يخلّط العسل لازم يلحس صوابعو كيف ما يقولو أجدادنا رحمة اللّه عليهم .
   زعمة مكتُوب على ها الأمّة المغبونة باش تعيش ديمة منكوبة وذليلة وسعدها مكبوب، ولاّ يجي نهار وتشوف الضوء كي شعوب العالم المتقدم؟
يا ذنوبي... يبطى شويّة ...    
علاش؟؟؟ على خاطر يقولو إلي تبديل السروج فيه راحة ... ياخي طلع السرج الثاني أتعس من الأوّل، وبالكشي بلاش سرج أحسن.
برشة ناس  قالو: عيد بأيّة حال عُدت يا عيدُ؟ وأنا نقول: هذاكة المقرّص هذاكة المعجون، ولا تغيير لخلق اللّه ، ولا جديد تحت الشمس كيما قالت أساذتنا منيرة ، سيّدة كليّة التاريخ في سبعينات القرن اللي بلع السبادري، ربّي يفضّلها ويطوّل في عمُرها.
   لا جديد تحت الشمس على خاطر العمليّة كلها ظهرت مطبوخة مُسبقا وبدقّة شيطانيّة ، وقت اللّي بدا المنداف يتسكّر على جماعة النهضة، بعد مقتل شكري بلعيد، وبعد الهيجان اللّي أصبح عليه الشعب، والتحضير لجنازة مليونيّة، وقتها شمّتها الحكومة قارسة، وخافت النهضة لا يلعب الماء تحت ساقيها ويجبدو بيها الزربيّة، قام خوكم الجبالي، والإبتسامة تعلو مُحيّاه بطرح فكرة حُكُومة تكنوقراط وتحييد وزارات السيادة... وجمرة ورميتها في الماء ... طاح في البير وطلّعوه ... هدات الأمور شويّة وجبدناها جمعتين صحاح ننتظروا على آش نوّة باش تتمخّض المُشاورات بين الأحزاب ... وهاو هذا رضا ... هاو هذا غضب ... هذا حضر المناقشات وطلب بعض الحقائب، ولاخُر ما حضرش على خاطر طفّاووه واعتبروه كي رجل البهيم القدّامية لا تحُك ولا تدُك، فجمّد حزبهُ، وقاطع الحياة السياسيّة ... وترزينا في ضمارو اللّي ضنّينا أنّو عوّض ضمار بوغنيم اللّه يرحمو ... وأعطيني راس ...
   آيا يا سيدي بن سيدي عدّينا الحربوشة وبلعنا السكينة بدمها وأصبحنا ننتظر على أحر من الجمر ظهور هلال الحكومة الجديدة اللّي ما تزيد على الأولى كان بالصبر ... وبقينا ننتظر القبض على القضقاضي اللّي وعدنا بيه وزير الداخليّة السابق في بضع ساعات ... واستنّى يا دجاجة ...
   من غرائب الأمور في بلادنا، وما نظنّش تشاطرنا فيها بلاد أخرى، أنّو اللّي يفشل عندنا يتلنصى، يطلع في سلّم الوظيفة درجات... كيف ما كان الحال أيّام المخلوع ... البهايم، جماعة الباك ناقص برشة هوما اللّي كانو شادين البلاد، هذا مسهول كبير في شركة وشهريتو بميّات الآلاف ولاخُر موظف في بانكة شهريّتو أكثر من شهريّة أستاذ أوّل فوق الرتبة في نهاية كاريارو، ولاخر مختص في الكهرباء مدير ليسي سوكندار في الضاحية الشماليّة لمدينة تونس المحروسة ... وهات من ها اللّاوي... حكايات يحكيها واحد لحفّار قبرو...  حفّار قبرو يزيد يحكيها بدوره لحفّار قبرو ...وتقلّي بعد هذا  الكلّ كيفاش القراية ما عادش ماشية وما عادش عليها إقبال، بعد اللي الجمعة هاذي بركة نعس في الباك بلان على  قروب،  دخل للقاعة أوّل واحد في 8 و30 دقيقة صباحا، وثم تلميذة دخلت على الساعة 9و35 دقيقة علما وأن الإمتحان يبدا في 8 ويوفى في 11 ، طفطف الهم على قلبي وما طاقني صبر سألتها: آش بيك لتوّة يا بنتي ياخي ما تعرفشي اللّي الإمتحان يبدا في 8؟ قالتي: هذاكة هو موسيو، قمت إمخّر شويّة وبعد ما فطرت لمّيت الدار وجيت ... سون كومنتار، قال الراجل ... هذا ما ننفرد به في بلادنا ...
   على كل حال الفرق بين الحكومة هاذي والحكومة اللّي قبلها يكاد لا يوجد، لأنّ الحالة هي هي والبلاد هي هي والنّاس الغلبانة يهزّو ساق يغرقو الزوز ساقين ... اللّه يحسن العاقبة ...
   آما بالكشي الحكومة الثانية طلعت طيّارة عالحكومة الأولى، حكومة متاع ذكاء آما سكّيتي ... زعمة تكونشي حكاية الإرهاب متاع جبل الشعانبي عمليّة مدبّرة بليل كما يُقال، باش يدخّلو غولة في البلاد والعباد، وتتفرعس هكّاكة خرافة الدستور ومنامة الإنتخابات ... هذا ما يقوله البعض ... آما في رقبتهم... وتوّا فُكّو عليّ لا يقولو ولّيت نعمل في السياسة بينما آنا إنسان خاطي خوك، وما يشغلني في هالدنيا الفانية كان المكشّخة ... وألعب يا ترجّي...  

lundi 1 avril 2013

رسالة البوعزيزي والخزري إلى أصحاب الكراسي




facebook.com/pages/Zwewla/244524092300855  المصدر صفحة مجموعة زواولة فايس بوك 

  أغلبُ الثورات الناجحة التي عرفها تاريخُ البشريّة كانت  قادحا أدى إلى  تغييرات هامة إن لم تكُن عميقة قطعت مع تعاسة الماضي وفتحت آفاقا رحبة لتحقيق حُلم لطالما راود أجيالا مُتعاقبة، لكن دون  أن يعني ذلك أنّها كانت بمنأى عن بعض الهنّات التي يُسمّيها البعضُ سلبياّت أو نقاط ضُعف أو ما شابه ذلك من العبارات المُستعملة في هكذا موضوع.
  من بين السلبيّات المُلفتة للثورة التونسيّة ، التي فتحت عهدا  أصبح يُطلقُ عليه مُصطلحُ " الرّبيع العربي "، وُصول فئة من القادة السياسيّين  إلى سدة الحُكم بفعل " الشّرعيّة الانتخابية "،  تدل مُمارساتهم،  وجلّ نقاشاتهم ومُجادلاتهم،  ذات العلاقة بتحرير دُستور جديد للبلاد، طالب به متظاهرو القصبة2 ، على عشقُهُم  الدفين للكراسي،  ورغبتهم الشديدة لتأبيدُ بقائهم فيها.
 غير أنّ  المنطقُ السليمُ يفرضُ  على الذين عاشُوا المحن، وقبعوا سنوات طويلة في السّجون، أن يكونوا أقرب النّاس إلى نبض الفئات التي سحقها التهميشُ والتمييزُ والمحسوبيّةُ والجهويّةُ المقيتةُ، التي باسمها أُديرت البلاد لأكثر من نصف قرن، وأن يكونوا أكثرهم رحمة و رأفة بالشعب، وأن يتخلوا عن نزعة الانتقام التي تُحرّكهم،  وعن نزعة الحقد على نظام حكم البلاد بعد الاستقلال ، يعتبرونهُ عميلا للغرب، وآلة يُحرّكُها المُستعمرون القدامى،  لاستئصال البلاد من فضاء  الثقافة العربيّة الإسلاميّة التي عاشت في ظلّه  أكثر من 14 قرنا،  في حين يثمّنُه مُنافسوهم ويرونهُ نظاما تقدّميّا حداثيّا مُواكبا لمُتغيّرات العصر،  ومُنخرطا في السّيرورة التاريخيّة،  بدفع من قراءة مقاصديّة للنصّ القرآني ، تُوازيها  قراءة نقديّة للموروث الثقافي برُمّته ، لا تقبلُ كلتاهما غير ما يتنزّلُ في منهج المنطق السليم والعقل القويم،  وترفُضان الأحاديث الموضوعة عن الرسول الأكرم، والفتاوى التي ما أنزل اللّه بها من سُلطان، والتي تُثير في المُسلم الحق الاشمئزاز...
كما يفرض ذات المنطق عليهم،  أن يتجاوزوا ما صدر عن البعض منهم من مُطالبة بمُكافآت  ماليّة،  مُقابل سنوات الجمر التي عاشوها،  كمُقابل لنضال ألقى بالبعض منهم في السّجون  الرّهيبة، أين عانوا ألوانا من التعذيب ، في حين تمكّن البعضُ الآخرُ من الارتماء في أحضان الغرب "الكافر"،  أين تنقّلوا بحريّة ونشروا أفكارهُم دون رقابة، وأسّسوا الشركات المُربحة، وسجّلوا أبنائهم في أشهر الجامعات، قبل أن تمنحهُم الثورة فرصة العمر للعودة مُظفّرين إلى بلاد فرّوا منها أيّام المحن وذهب في ظنّهم أنّهُم مُكلّفين بواجب  اعادة "فتحها " ... 
رمز الفشل السياسي 

 إنّ أطماعهُم اللاّمحدودة،  وتعامُلهم مع الدولة  على أساس أنّها  غنيمة،  نسفت أحلامهُم،  وقوّضت توقهُم إلى  مرتبة" الأبطال الوطنيّين"،  وحوّلتهُ  إلى وهم وإلى طمع دنيويّ دنيء، وأفرغت العمليّة النضاليّة التي قامُوا بها من المعاني ومن المبادئ النّبيلة التي من المفروض أن  تكون قد أسّست عليها، إذ أضحت عمليّة مُقايضة من أجل ربح ماديّ لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال أن يرتقي إلى مرتبة النضال ، إضافة إلى ذلك فما أن أجلستهُم الشرعيّة على كراسي الحُكم حتى إنصهروا مع معدنها، لتأبيد بقائهم عليها ، وهو ما اعتبرهُ أحد المُفكّرين سبب كلّ المآسي التي تعيشُها البلادُ اليوم...
هؤلاء لم يتقدّموا في رأيي على درب مُعالجة مشاغل المُواطنين مُعالجة جديّة...  لم يستوعبوا الدرس الذي أراد ذاك الشّابُ الذي أضرم النّار في جسده، ذات 17 ديسمبر 2010، أن يُخلّدهُ...  لم يفُكّوا شفرة الرسالة التي أورثهُم إيّاها...  لم يكونوا أمناء لصاحبها وإلاّ لما كان هُناك إضرام،  وإضرام،  وإضرامُ نيران أخرى،  في أجساد شباب كان آخرُهم  ما اتاهُ الشّاب عادل الخزري  صبيحة 13 مارس 2013،  أمام مبنى المسرح البلدي بقلب العاصمة، و لم يتجاوز عمُرُه 27 سنة ... نزح من مسقط رأسه في ريف مدينة جندوبة المنكوبة خلال العهدين السّابقين، نحو العاصمة ، في أحد مواسم الهجرة إلى الشمال، بحثا عن بعض كرامة لا تتحقّق بغير العمل 
...

 
facebook.com/pages/Zwewla/244524092300855  المصدر صفحة مجموعة زواولة فايس بوك 
  

 ها أن مأساة البوعزيزي تتكرّرُ مرّات ومرّات ... فهل كُتب على شباب هذه الأمّة البُؤسُ والإحباطُ واليأسُ والانتحار فُرادى وجماعات وما التفت إليهم أحد من أصحاب الكراسي؟
   ماذا فعلنا للبوعزيزي؟
 خلّدنا عربته... أقمنا لها مُجسّما...حولناها إلى رمز يكاد يحمل معنى قُدسيّا عند البعض... لكن هل توفّقنا في وضع حُلول للمشاكل التي دفعتهُ إلى تقديم جسده قربانا ؟
   أسلنا مدادا كثيرا ... أدرنا جدالا طويلا ... عقيما حول رقصة " هارلم شايك " أدّاها شباب مدرسيّ كاد يقتلهم الضجر وتهميشُ الكبار،  لهُم وعدم المُبالاة بهم، وفساد منظومة تربويّة أصبحت مصنعا كبيرا لتخريج أفواج من المُرشّحين لإحباط جماعي  ...
   انشغلنا بزيادات منح أعضاء المجلس الوطني التّأسيسي ... تجادلنا في " شرعيّة "  رشّ من تركوا الديار في مدينة سليانة ليُعمّرها وال أصمّ يأتمر بأوامر حزبيّة ولا يجتهدُ للبحث عن حُلول لمشاغل" رعيّته"، واليوم يُشاعُ أنّ " الرشّ "  لحق أهالي مدينة قفصة ...
   فتحنا الأبواب على مصراعيها أمام فرق" بلطجة " تجول وتصول في البلاد طولا وعرضا، تُفسد اجتماعات " المُنافسين " ... تُهاجمُ مواكب دفن الشُهداء بدون حياء ولا احترام لحُرمة الموت...
  
   انسقنا في مُسلسل التّحوير الوزاري الذي كانت إحدى حلقاته تغيير حكومة الترويكا،  وبعد نقاشات استغرقت أسبوعين من عُمُرنا، أحلنا محلّها  ترويكا ثانية،  تأسست على وهم تحييد بعض الوزارات لامتصاص احتقان شارع لم يعُد قادرا على استيعاب المزيد من الإحتقان ، بعد سُقوط ثاني ضحيّة للعُنف السياسي يوم 6 فيفري 2013 ...
   لم ينجح أصحابُ الكراسي في قراءة رسالة البوعزيزي ورسالة الخزري من بعده؟
لو كان الأمرُ كذلك لما كان لمحمد البوعزيزي حواريون، ينسجون على منواله لعلّهم يُذكّرون أولي الأمر منهم بمضمونها.
عادل الخزري هو أحد هؤُلاء الحواريين، فهل يكون آخرهُم؟


محمد البوعزيزي فتح الباب لثائريّ ما قبل الثّورة، وللثّائرين الجُدد اللّاهثين للالتحاق بالثّورة ، وللمُستثورين 
الذين امتطوا صهوة الثورة... فتح لكلّ هؤُلاء الباب، فاندفع الكلّ يسعى إلى الاستئثار بها لنفسه، وأصبحت ترى الكلّ يتكلّم باسمها دون حياء ويتوهم التخاطُب ب "اسم الشعب "... وأمسيت تستمع مُرغما إلى المُتحصّنين بشعار " الشّرعيّة "،  ومن موقع من لا سُلطة فوقهُم، يُطالبُون بما لم يُطالب به منجزو الثّورة الحقيقيّين...
 يستقدمُون دون استشارتنا شُيوخا استحكم الجهل في عُقولهم فانبروا يُسرّبون في صُفوف شبابنا طُقوسا مُرعبة و مُربكة، لا عهد لنا بها، تهدفُ إلى تفكيك سلوكيات أجمع الشّعب عليها من قُرون طويلة، طُقوس تنحر تاريخ وثقافة شعب بأكمله على مذبح الجهل ... بينما يتفرّغ مُستقدموهم إلى تمرير مشاريع قوانين استئصاليّة،  تُقصي مُنافسيهم من انتخابات طال انتظارُها تحت عنوان " تحصين الثّورة "، وإلى المُطالبة  بتطبيق الحُدود من بتر وقطع وجلد، والمُناداة بختان البنات واعتباره عمليّة تجميليّة ، فضلا عن كبحه جماحهنّ،  وكبته لغريزة غرسها اللّه فيهنّ كما غرسها في الرّجال، ومُحاولة تشكيل عُقول لا تهتمّ بغير تلبية ما في الرجال (أمثالهم ) من غرائز بهيميّة، والتبشير بقُرب إقامة نظام الخلافة،  وإطلاق فتاوى تؤكّد على " شرعيّة " التعدديّة الزوجيّة"  لاعتبارها " مطلبا شعبيّا "، وإباحة زواج المسيار والزواج العُرفي على لسان  " عُلماء " سمحوا لهم باستباحة البلاد والتنقّل فيها، حتّى أنّ أحدهُم زار ماخُورا وصوّر تفاصيله في فيديو عرضهُ عبر قناة تلفزيونيّة ليُعيّر به لاحقا المرأة التونسيّة، سيّدة كلّ نساء العرب... وفي المُقابل ترفُض المصالح ذات النّظر منح ترخيص لأحد المُفكّرين ببعث جمعيّة قرآنيّة ...
facebook.com/takarifsheihk  المصدر صفحة تخاريف الشيوخ في فايس بوك 


حقّا كم في التاريخ من مهازل ...
الواضحُ أنّ هذا الصنف من " العلماء " تحرّكُ أصحابهُ عُقد جنسيّة لم يتحرّروا منها، أضحت السمة البارزة للمُجتمعات التي نشأوا فيها، مُجتمعات غارقة في الانغلاق، مغمورة بظُلمات الجهل، مُتمسّكة به،  تحنُ إليه  دوما حنين الرّضيع إلى صدر أمّه، يخشى الفطام، رافضا انفتاح الأبصار والبصائر على بيئته، مُعرضا عن التعايُش مع ما تشهدهُ من مُستجدات،  مُستحضرا طُفولة تاريخه ودينه، مُتمثّلا مُميّزاتها، هيأة ولباسا وسُلوكا،  وعاجزا عن  تخطّي عتبة " السقيفة " التي لم نُشف كعرب ومُسلمين من جُرحها، رغم أنّ  " اللّه وقى المُسلمين شرّها "...
فهل أنّ رسالة البوعزيزي أخطأت العنوان، أم أنّ الثّورة سُرقت وحُوّلت وجهتها إلى غير الوجهة الصحيحة،  مما قد يُدخلُ البلاد في متاهات يذوب معها كلّ ما تحقّق من انجازات اجتماعيّة وثقافيّة؟
وهل من مُغيث يُعيد الأمور إلى مسارها الصحيح؟

                                                                                    العوينة، 28 مارس 2013.

dimanche 24 mars 2013

في الذكرى 57 للاستقلال: بلادي حزيـــنة وشعبـــها مُكتئـــب


 " آفةُ الدّين ثلاثة: فقيه فاجر وإمام جائر ومُجتهد جاهل."
  حديث شريف.



 مُنذ أيّام والبلاد على قدم وساق... نشاط حثيث... ذهاب وإيّاب، يعقُبُهُما ذهاب وإيّاب آخران، رايات جديدة رُشقت على واجهات المُؤسّسات بمُختلف أنواعها وعلى واجهات المتاجر ودكاكين الحرفين وفوق أبواب المنازل فتزيدُها وجاهة ... منصّات قُدت من الخشب تنتصبُ في الساحات العامة ، في كلّ المُدُن والقُرى التونُسيّة استعدادا لإقامة مواكب احتفاليّة تُشرفُ على تنظيمها السّلط الجهويّة والمحليّة بكلّ همّة وتطوّع لا يخلُوان في كلّ الحالات من حسابات ضيّقة، وتلك طبيعة الإنسان في أيّ زمن وأيّ مكان ما، فمن يقدرُ على تغيير خلق اللّه؟
   في اليوم الموعود يحتفلُ التّونسيّون كلّ على طريقته... منهم من يُيمّمُ وجههُ نحو حديقة البلفيدير، الملاذ الوحيد في العاصمة حيثُ يتنفّس الصبية وأولياؤهُم المُصاحبين لهُم هواء نقيّا تُفرزُه آلافُ الأشجار التي تُؤثّث المكان، ويُمارسون ألعابهُم المُفضّلة من قفز وركض... ومنهُم من يعرجُ إلى حديقة الحيوانات لمُشاهدة حيوانات قادمة من الأقاصي كالزرافة والفيل والكركدن والأسد ومُختلف فصائل القردة والطيور، في حين يُفضّلُ صنف آخر من المُواطنين المُكوث في بُيوتهم ينظُرون في"مايزيدهم وينقصهم" وهُم على أبواب فصل الربيع وقد ودّعوا فصل الشتاء الطويل ببرده القارس وأمطاره الغزيرة التي لا يقدر على تحمّلها الزوّالي ...إلاّ أن أغلبيّة سُكّان العاصمة كانوا يُفضّلون التحوّل منذ الصباح الباكر إلى شارع محمد الخامس ليحجزوا موقعا يّمكّنهم من مُشاهدة تفاصيل  الاستعراض العسكري الذي كان يُقامُ بالمناسبة احتفالا بعيد الاستقلال المجيد
كان والدي رحمه اللّه حريصا على مصاحبتي وبقيّة إخوتي كلّ يوم 20 مارس من كلّ سنة لمكان الاستعراض، وكنّا نعلم أننا سنُقضّي اليوم خارج البيت، وسنقطع المسافة الفاصلة بين بيتنا بحي باب الأقواس وشارع قمبطّا مشيا على الأقدام، وهو الشارع الذي أصبح يحمل اسم شارع محمد الخامس...  

كم كان رائعا مشهد الفرق العسكريّة من مُختلف الجُيوش البريّة والبحريّة والجويّة وهي تمُر أمام المنصّة الشرفيّة أين كان يجلسٌ رئيس الجمهوريّة وحولهُ كتّاب الدولة وأعضاء الديوان السياسي وممثلو الدول الصديقة والشّقيقة، تعلو محيّا كلّ واحد منهم مسحة من مزيج بين الانضباط والجديّة والاعتزاز والاحترام لقُوات الجيش الوطني الجُمهوري، فيما كانت الطائرات الحربيّة تحلّقُ فوق رُؤوسنا راسمة في الفضاء الرحب حركات بهلوانيّة بديعة... لقد كان المشهد رائعا وقد زادته روعة الأنغام المُتأتّية من عزف الفرقة الموسيقيّة العسكريّة...

  كان هذا في ستّينات القرن الماضي، وكان مُجرد الحضور في هكذا احتفال يغمُرني نخوة واعتزازا بالانتماء إلى هذا الوطن العزيز، ويشحنني اعتقادا بأن السماء منحتني أجمل هبة وهي العيش في بلد يملك أعتى جيش هزم الاستعمار وحرر الوطن، هكذا كنت أرى الأمور...
سنوات عديدة مرّت منذ ذلك الوقت كان الاحتفال فيها يتم كلّ سنة بنفس التوهُج تقريبا... حتّى في أحلك سنوات الحُكم البنعليلي لم نكن نُهملُ الاحتفال بعيد الاستقلال، كيف لا وهو العيد الذي يُذكّرُنا بما قاساهُ شعبُنا من عُبوديّة وذلّ وحرمان وقهر وفاقة وظُلم قُرونا طويلة قبل أن تُؤسّس أوّل حكومة وطنيّة في تاريخ البلاد، على حد تعبير الزّعيم الحبيب بورقيبة، باني دولة الاستقلال مع رجال من حوله صادقوا اللّه على أداء الواجب الوطني وكثيرون منهم قضوا في سبيل الوطن، نتذكّرهم ونترحّمُ على أرواحهم كلّ يوم 9 أفريل من كلّ سنة...
    يوم 20 مارس من السنة الماضية كان للمُعارضة دور بارز في الاحتفال بعيد الاستقلال، بينما تجاهلت حكومة الترويكا الحدث أو كادت، أمّا هذه السنة فإنّ تناسي الترويكا الثانية بدا مُتعمّدا إذ خلت الشوارع من ملامح الزينة الدالة على الاحتفال، ولم تُنظّم الاستعراضات كما جرت به العادة كل سنة إلى حد أننا لم نشعُر بأنّ يوم الأربعاء 20 مارس 2013 وافق ذكرى الاستقلال، رغم أنّه كان يوما تعطّل فيه العمل في المُؤسّسات العموميّة...
لماذا هذا الإهمال ؟ من المسؤول عنهُ؟ وهل كان التعتيمُ مقصودا، وبالتالي كان موقفا سياسيّا من أعياد يشترك في الاحتفال بها كلّ التونسيّين؟ أم كان موقفا مفروضا من أولئك الذين حرّمُوا علينا الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف؟ هل أنّ هؤلاء الذين كان آخرُ إنجازاتهم الاعتداء على ضريح المجهول بسوق السرّاجين بالعاصمة، من فرض هذه الرؤية لأعيادنا الدينيّة والوطنيّة التي تمنحُنا فرصة الاحتفال ونسيان الاحتقان السياسي والديني ولو إلى حين؟
هل هم أنفسُهم من يُروّجُ بيننا مُنذ سنتين غريب الفتاوى من قبيل إرضاع الكبير، وتحريم العطر على النساء والسّماح به للرجال، وتحريم الصلاة في غير المساجد، وعدم فلاح قوم ولوا أمورهم امرأة، وتحريم اختلاط المرأة بالرجل، واعتبار مُصافحة المرأة للرجل زنا، وتحريمُ كشف الوجه والشعر واليدين للمرأة، والمُناداة بجهاد 
المُناكحة مع الثوار السوريين، وتحريم اختلاء الأب بابنته...؟



أغلب الفتاوي الصادرة عن هؤلاء المُجتهدين الجدد تنبعثُ منها رائحة الجنس، إنّه حجر الزاوية في أدبيّاتهم  مُتمكّن من تفكيرهم ومُسيطر عليه، إلى حد أنّك تخال أن الجنس هو أقصى اهتماماتهم، وأنّه ينم عن مُعاناتهم شذوذا ما. كيف لا وأغلب فتاويهم تحومُ حوله. إنّهم ضحايا الهوس الجنسي، مسكونون به، في حين أنّهم أوّل من يعلمُ انّه لا يطفئ هوسهم  هذا غير المرأة، ولعلّ ذلك ما يجعلهُم  لا يرون فيها سوى وسيلة لإشباع نهمهم وللاستجابة لغرائزهم الحيوانيّة. لكنّني لا أفهم لماذا يُعادونها، يمنعونها من الاختلاط بالرجال كأنّها منبعُ الشر والمسؤولة الوحيدة عن خطيئة سيّدنا آدم عليه السلام، يعزلُونها عن المُجتمع مُعتقدين أنّها عورة كُلّها من أعلى رأسها إلى أخمس قدميها، وجهها، شعرها، يداها، صوتُها ... كلّ ما فيها عورة لذا يحرصون كلّ الحرص ويتشددون في حجبها عن الأعيُن، وإن لزم الأمر تنقيبُها ودسّ يديها في قفازتين حتّى في عزّ فصل الصيف، يُحرّمون عليها التعطّر خارج بيتها لأن ذلك في رأيهُم ضرب من ضُروب الزّنا... إنّهم لا يتصوّرون ولا يقدرون على استيعاب أيّ نوع من أنواع العلاقة بين المرأة والرجُل سوى علاقة الجماع، لا وُجود عندهُم لعلاقة اجتماعية أو إنسانيّة أو أيّ شكل آخر من أشكال التعاوُن البريء والشريف والنّزيه بين المرأة والرجُل...
   دُعاة الجهل يجُرّون البلاد والعباد إلى الظلمات يُبشّروننا بوطن مُسيّج عُقدا وحقدا وكراهيّة... يُريدون إغراقنا في غيبوبة مُستديمة نجتر فيها أحلاما قديمة عقيمة، هكذا كتب أحد المُفكّرين...
تركوا كتاب اللّه وتمسّكوا بأحاديث نبويّة دُوّنت بعد قرنين من نزول الرسالة على خاتم الأنبياء والمُرسلين عليه أفضل صلوات اللّه وأزكى سلامه... ركبوا أحاديث تختلف بين الموضوعة و الضعيفة والعليلة، سندا ومتنا، لا يتماشى مضمونها مع ما يتضمنه كتاب اللّه... جعلوا مما قدمهُ المُفسّرُون والفقهاء من قراءات لكلام اللّه تعالى، تحوّلت بحُكم الزمن والتراكُم التاريخي، أكثر قداسة من القرآن نفسُه...
حوّلوا وجهة الثورة التي رفعت مطالب اجتماعيّة واقتصاديّة: شُغل، حُريّة، كرامة وطنيّة، إلى مشاغل لم تُطرح من قبلُ... لم يجُل بخاطر التونسيّين طرحُها ...
لم نطرح كتونسيين يوما مسألة الهُويّة، ولا مسألة المُقدّس/ المُدنّس... لم نتساءل يوما عن وجُود الزوايا وأضرحة أولياء اللّه الصّالحين من عدمه... لم نرغب يوما في التدثّر بجلابيب أسلافنا وفي الذوبان تحتها...
أسلافُنا عاشوا زمانهُم، تأقلموا معهُ... هضموه... فهموا مُتطلّباته... نجحُوا في إدارة مُختلف أوجُه حياتهم، سياسة واقتصادا وأدبا ... بمعزل عن الدين وعن أحكام الشريعة، لذلك ظهرت لديهم صُنوفا أدبيّة جريئة لم يكُن للعرب سابق عهد بها مثل الخمريّات وشتّى فنون الغزل بما فيها الإيروتوكي والبورنوغرافي كما قال الشاعر منصف الوهايبي...
لم يطرحوا مسألة الهُويّة بنفس الحدة التي تُطرحُ بها اليوم، والتي استهلكت وقتا ثمينا من مُناقشات نُوّاب الشعب تحت قُبّة المجلس الوطني التأسيسي، أولئك النوّاب الذين انتخبهم الشعب لهدف كتابة دستور جديدة لا لغاية مُناقشة كلّ ما أنجز مُنذ الاستقلال كأنّهُ بناء غيرسليم.
إنّ الهويّة في رأي الفيلسوف يوسف الصديق، مُتحرّكة، وليست مُؤسّسة يستوجب الرجوع إليها، إنّما هي صفة تتغذى عبر التاريخ بتيّارات شتّى تتبنّاها وتُضيفُها إلى رصيدها أي إلى النواة الأولى فتُصبحُ صفة مُركّبة، مُتشعّبة تعكسُ موقف ورُؤية شعب ما في زمن ما، لذا فهي ليست قارّة وليست ثابتة، ليست ساكنة لا تتحوّلُ أبدا، إنّما هي القدر الثابتُ والجوهري والمُشترك من السمات والقسمات العامّة التي تُميّز حضارة شعب ما عن غيرها من الحضارات، وهذا القدر لا يُمكن البتة أن يُحنّط حتّى لا يزول ويندثر، بل على المُنتسبين إليه النّهلُ من يرورة التاريخ والتفاعُل مع تحوّلات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة والثقافيّة المُحيطة، ليجعلوا منها قدرا مرنا ثريّا من غير فقدان لمُميّزات نواته الأولى...
لم يطرح أسلافُنا قضيّة الهُويّة و  المُقدس/ المُدنّس، لم يُهاجمُوا زوايا وأضرحة أولياء اللّه الصالحين بدعوى أن ما يُقامُ فيها من طُقوس هو ضرب من ضُروب الشّرك بالواحد الأحد، بل اعتبروها رُموزا وقيما أساسيّة تتنزّلُ في إطار الموروث المُشترك، لذا وجب تعهّدُها بالصيانة، ومنعوا تسرّب العبث والتخريب إليها لأنّها في نظرهم جزء من تراثنا الديني.
لم يُدينوا الإبداع والفُنون والخلق والابتكار... لم يُهاجموا رجال الفنّ والإعلاميّين... لم يُشيطنوهم ولم يُكفّروهم، لم يُهددوهُم بالقتل ايمانا بأنّ نجاح مسيرة الإنسان  الإبداعيّة لا تتحقّقُ إلاّ بالتفاعُل بين مُكوّنات مُثلّث أضلاعُه النصّ المُقدّس والعقل المُتدبّر والمُحلّل والمُؤوّلُ والمبتكر والراهن المُتحوّلُ والمُتجدد والمُتطوّرُ، في مناخ ثلاثي العناصر وهي الحريّة والديمُقراطيّة والمنظومة الكونيّة لحُقوق الإنسان التي لا تعترفُ بالحُدود الإنسانيّة ، لأنّ العالم الذي تسبحُ فيه عالم رحب، تتقاطع فيه الحضاراتُ وتتلاقى كُلّها في مسيرة ينحُتُ معالمها الإنسانُ السّائرُ نحو التكامُل والإبداع والجمال لعلّه يعكسُ البعض الضئيل جدّا من جما ل وكمال مُبدع الكون الذي غمرنا حُبّا وعطفا وسلاما ورحمة، منذ اليوم الذي قبل فيه الإنسان تحمّل مسؤوليّة خلافته جلّ وعلا على الأرض في حين رفضتها الجبالُ والملائكة وأشفقن من حملها.

عبدالعزيز ڨرجي 1928 - 2008
المصدر :   http://shr.tn/JaVt


لكن حُكّامُ تونس اليوم وأذرعهم من بينها السلفيّة علميّة كانت أو جهاديّة، تأبى أن يفرح هذا الشعبُ وأن يُنفّس عن كربته، يستكثرُون عليه إقامة احتفالات بذكرى عزيزة عليه، استشهد من أجلها آلافُ التّونسيّين منذ 1881 وهم يتصدّون لزحف الجيوش الفرنسيّة الغازية في الشمال الغربي، ويُقاومون الحضور الاستعماري من شمال البلاد إلى جنُوبها في المُدن وفي القرى وفي البوادي من قبل قبائل الهمامة والفراشيش وأولاد ماجر وأولاد عيّار وأولاد سعيد وأولاد عون وأولاد دباب والمرازيق والعكارة، ومن قبل حركة الفلاقة بين 1952 و 1954، إلى جانب الحركة النضاليّة النابعة من المراكز الحضريّة بدءا بحركة الشباب التونسي وحوادث مقبرة الزلاّج والحزب الحر الدستوري التونسي والديوان السياسي الذي تفرّع عنهُ والذي أصبح يحملُ اسم الحزب الدستوري الجديد، مُرورا بحوادث 9 أفريل 1938  وأحداث تازركة بالوطن القبلي وُصولا إلى الاستقلال.
يأبى هؤلاء المُتزمّتون أن يُقيم الشعبُ الاحتفال بحدث جليل في تاريخنا المُعاصر. تصوّروا امتناع الأمريكيين عن الاحتفال  بعيد استقلالهم يوم 4 جويلية أو عُزوفُ الفرنسيّين عن إقامة الأفراح في 14 جويلية... إنّهُ الهُراء بعينه... إنّهُ الغباءُ الذي ليس لهُ دواء، إنّهُ تصرّف لا يصدُرُ إلاّ عن رُعاع جهلة لا يعرفون عن الدين شيئا كثيرا كما ذكر أحد الإعلاميين، بل كلّ ما يعرفونهُ هو ترهيب النّاس بنشر أحاديث تُنسبُ إلى الرسول، وبتأويل آيات قُرآنيّة غفلوا عن مقاصدها، ونشر ثقافة الانزواء والانغلاق وراء عباءات وقمصان لا تُشبهُنا ولا تمُتّ لحضارتنا بأيّ صلة، وبترويج ثقافة أساسُها عذاب القبر و التداوي ببول البعير، لا تزيد المرء إلاّ اكتئابا فوق اكتئاب.
إنّهُم لن يحتفلوا بعيد الاستقلال لأنّ الحزب الذي يُمثّلُهُ أغلبُ أعضاء الحُكومة الترويكيّة الأولى كما الثّانية، وذاك الحُقوقيّ الذي تنكّر لصفته التي عرفها بها النّاسُ من أجل سُلطة منزُوعة الصلاحيّات، والذي لا يفيقُ من سُباته، كلّ " جماعة الخير " هذه لا تعترفُ بكُلّ بساطة بالاستقلال، ولا بإنجازات دولة الاستقلال، ولا بحُكُومة الاستقلال التي أنجزت ثورة ثُلاثيّة الأبعاد أعمدتُها التعليمُ والصحّة وتحريرُ المرأة وقاعدتُها الصّلبة الوحدة الوطنيّةُ ونبذُ العرُوشيّة والقبليّة والنزعات الجهويّة.
وإذا كان حاكمُ قرطاج الذي شبّههُ أحدُهم بملكة بريطانيا " ترأس ولكن لا تحكُمُ"، يتشبّثُ ببقايا يوسُفيّة رفضت في يوم من الأيّام استقلال البلاد الداخلي( 1 جوان 1955 ) مُعتبرة إيّاهُ " خُطوة إلى الوراء "، وكادت أن تزجّ بالبلاد في حرب أهليّة وقى اللّه شعبنا من تداعياتها، فإنّ حزب حركة النهضة لا يعترفُ البتّة بالاستقلال لا الداخلي منهُ ولا التّام، ويعتقدُ أنّ حُكومة بورقيبة ليست سوى امتدادا للنظام الاستعماري، وأنّ أعضاءها ليسوا سوى " رجال فرنسا " نصّبتهُم السلط الاستعمارية  (التي فرّرت لاحقا على لسان رئيسها الجنرال شارل ديغول التخلّي عن  قاعدة بنزرت العسكريّة بعد نجاح تجربتها النوويّة في الصّحراء الجزائريّة )،  في سدة الحُكم، لإتمام مشروعها الفرنكوفوني وبسطه على كامل رُبُوع المغرب العربي لاجتثاثه من " دار الإسلام ".
لقد تجذر موقفهم هذا من الاستقلال إثر الإنجازات المُتعاقبة كإلغاء التعليم الزّيتوني وتعويضه بنظام تعليميّ عصريّ ومُوحّد، وإلغاء المحاكم الشرعيّة ومحاكم الأحبار والمحاكم المُختلطة  وتوحيد القضاء، وحلّ الأحباس، وتحرير المرأة، وإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة التي تُنظّمُ الأسرة وتُسوّي بين الجنسين وتمنعُ التعدديّة الزّوجيّة، وتبلور في الوثيقة المُنبثقة عن احتفالهم بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس حركتهم والتي جاء فيها ما يلي:
 لقد تأسّست حركتنا، بعد ما تمكّنت النّخبة التّغريبيّة الحاكمة من تحطيم مُعظم البنى التحتيّة للمُجتمع والدولة مثل إلغاء الأوقاف ( الأحباس ) والمحاكم الشرعيّة والتعليم الزيتوني وتفكيك 
العلاقات الأسريّة والعشائريّة 
وهذا يعني بصريح العبارة، أنّ حزب حركة النّهضة لن يحتفل بالاستقلال ما لم يُعد تركيز التنظيم المُجتمعي القديم، ويُعد اللاّمُساواة بين الجنسين، ويُلغي منع التعدديّة الزوجيّة، ويرسى القواعد الأولى لنظام " الخلافة الإسلاميّة السادسة " التي بشّرنا بها السيّد حمادي الجبالي ذات اجتماع في مدينة سوسة، مسقطُ رأسه، في صائفة 2011، ورُبّما كذلك إلغاءُ قرار منع العبيد الذي أصدرهُ المشير الأوّل أحمد باشا باي الحُسيني سنة 1846 .
يا لهُ من حُلم " جميل "، حُلم يعود بنا القهقرى مُتجاهلا المُستجدات التي عرفها تنظيم المجال العالمي منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية ومُنذ سقوط جدار برلين وانهيار الأيديولوجية الاشتراكية واختفاء الاتحاد السّوفياتي، وتركيز " العولمة ". إنّهُ فعلا حُلم بأتمّ معنى الكلمة لأنّ أصحابهُ يعيشُون على هامش الأحداث ولا يعترفون بالسيرورة التّاريخيّة.


إضافة إلى ذلك فقد أظهروا براعة فائقة في سرقة الفرحة من قُلوبنا... وفي اغتيال الابتسامة على شفاهنا... سرقُوا منّا ثورة الشباب ليُنصّبوا شُيوخا يفتون ويُحرّكون خيوط اللعبة السياسيّة من معقلهم بمونبليزي أين تُرسم مُخطّطات إفشال الثورة... اغتصبوا أجمل لحظات تاريخنا المُعاصر، أخسوا شبابا يطمحُ إلى غد أفضل، أكثر حريّة وديمقراطية وانفتاحا من دون انسلاخ عن موروثه الثقافي وبعده الرّوحي الذي استحكم تدريجيّا في أعماق الوعي الجماعي مُنذ حملة عبد الّه بن أبي سرح سنة 27 للهجرة في عهد ثالث خليفة راشدي عُثمان بن عفّان.
لقد برعوا في بثّ الشقاق بين أفراد المُجتمع وفي نشر الغباء والجهل الديني، هدفُهم اغتيال العقل وانتزاع جين الذكاء من شخصيّة شعب قاوم الرومان والبيزنطيّين والدخلاء والطغاة من غير أن تنثني له هامة، وخرج من كلّ مُحاولات تكسيره مُنتصب القامة يسير بشغف إلى الأفُق الأعلى ليُدركهُ مُعتمدا في ذلك على مُعادلة عناصرُها الأصالة والتقدم إلى الأمام.
ومهما اجتهدوا خُبثا، ومهما زرعُوا البُهتان والأكاذيب، ومهما روّجوا من أدفاق الغباء، ومهما حاولوا إيهامنا بأنّ الثورة التونسيّة هي " ثورة ذات جذور قرآنيّة" كما ادعى رئيس جمعيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، ومهما زرعوا من شقاق بين أفراد الشعب، فإنّهم لن ينجحوا ، لن تنطلي ألاعيبُهم على شعب صدمتهُ سلبيّة السلطة الحاكمة وإحجام الأحزاب المُعارضة ومُختلف المنظمات المدنيّة عن الاحتفال بعيد الاستقلال.
ولئن كانت بلادي اليوم في الذكرى ال 57 للاستقلال حزينة لا تُقام الأفراح والاحتفالات فيها، ولئن كان شعبي مُكتئبا جرّاء ما ألحقهُ به الزّمن الغادر من حكم طاغية جاهل عقبهُ حُكم قوى تشُد إلى ظُلُمات الزمن الغابر، 
فإن الحال قد يتغيّر في السنة القادمة، إنّ غدا لناظره قريبُ.

يقولُ أمير الشعراء أحمد شوقي:

وطني أسفتُ عليه في عيد الملا          وبكيتُ من وجد ومن إشفاق
أيظـــل بعضـــكُم خــــــــــاذلا           ويُقالُ شعب في الحضارة راقي
وإذا أراد اللّهُ إشقــــــــــاء القُرى         جعل الهُداة بهـــــا دُعاة شقـــاق
                                                                                العوينة، 21 مارس 2013.