jeudi 25 octobre 2012

الذكرى الأولى لانتخابات 23 أكتوبر 2012 : الأوضاع في تونس

مجموعة زواولة
http://shr.tn/GGub



كانت الفرحة بادية على وجوه التّونسييّن الذين اندفعوا تلقائيّا منذ الصباح الباكر للاصطفاف بكل ما في الاصطفاف المنظّم الذي لم نتعوّد مُشاهدتهُ من معاني التحضّر، أمام مكاتب الاقتراع قبل أن تُفتح حتّى ...
   وكم كانت البهجة تعلو الأوجُه رغم الانتظار ساعات طويلة تحت أشعّة الشمس اللاّفحة يومئذ، يوم 23 أكتوبر 2012 ...
بهجة امتزجت بمُؤشّرات الرضا لممارسة حقّ لم يُمارسُه التّونسيّون بمُطلق الحريّة والمسؤُوليّة منذُ الاستقلال وتحديدا منذ انتخابات 1981 التي اعترفت وزارة الداخليّة لاحقا بتزوير نتائجها ترضية للماسكين بمراكز النّفوذ والمُتطلّعين إلى تأبيد سلطانهم وتقييد رغبات المُتساكنين والحد من حريّتهم في الاختيار، وضمانا لمصالحهم الدنيويّة التي راكموها عُقودا طويلة عبر هرميّة حزبيّة تُسيطر على مفاصل البلاد من شعبة الحيّ إلى اللّجنة المركزيّة للحزب الحاكم، الذي منع رئيسها التعدديّة الحزبيّة من الستينات إلى بداية الثمانينات أي منذ مُحاكمة المُتورّطين في التخطيط لتنفيذ انقلاب ضد النظام القائم آنذاك...
   أدلى الناخبون الذين تمكنت الهيأة العليا المُستقلّة للانتخابات من تسجيل أسمائهم في سجلاّت الناخبين، من الإدلاء بأصواتهم وأعلنت النتائج فوز مُرشّحي حزب حركة النّهضة بنسبة عالية من الأصوات، لكن غير كافية لتمتعهم بالأغلبيّة المُطلقة، ممّا حتّم تحالُفهم مع  حزبي المُؤتمر والتكتّل لتشكيل حُكومة، بينما خيّر المُستقلّون وبقيّة الأحزاب الدخول في المُعارضة، في مُقدمتهم الحزب الديمقراطي التقدمي ...
وسرعان ما اندفع "الفائزون" في الانتخابات يتبجّحون ب" الشرعيّة الانتخابية" وبتمثيلهم "للسلطة الشرعيّة الوحيدة"، ويرفعون شعار"المجلس سيد نفسه"، وحددوا لأنفُسهم مهام ثلاث وهي صياغة الدستور ومُراقبة أعمال الحكومة وتشريع القوانين، وما على أصحاب "الصفر فاصل" في شرعهم، غير الانصياع لاختيارات الأغلبيّة !!!
   بعد التصويت على رُؤساء السلطات الثلاث، رئيس المجلس الوطني التأسيسي ورئيسي الجُمهوريّة والحكومة، انطلق العمل على الملفّات الكُبرى المُلحّة أو هكذا خُيّل لنا، بينما انبرى أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في مُعالجة قضايا بدت لأغلبيّة الشعب هامشيّة وأضاعت وقتا ثمينا كان من الأفيد استثماره في كتابة الدستور ووضع أُسس الهيئات المُكلّفة بتطهير القضاء والإعلام والإعداد للانتخابات القادمة ومُكافحة الفساد الذي نخر دواليب الدولة وجلب الأموال المُهرّبة إلى خارج البلاد وإعادة هيكلة ما أفسده النظام الدكتاتوري المُنهار، دون الإغفال عن تحقيق مطالب الشعب التي قامت على أساسها الثورة وهـــي "التشغيل والحُريّة والكرامة الوطنيّة".
    واليوم وبعد سنة منم الانتخابات، ما الذي علق في الذاكرة وما هو اللاّفت على المُستوى السياسي؟

   أنجز المجلس الوطني التأسيسي الكثير من الأعمال فيها الإيجابي والأقلّ إيجابية، وكذلك الشّأن بالنسبة للحُكومة، غير أن ما علق بالذاكرة هي الإنجازات الأقلّ إيجابية، أو ما أتّفق على وصفه بوُضوح أكثر  بالسّلبي ، الذي يؤثّث اليوم حوارات التونسيين ونقاشاتهم السياسية، تلك النقاشات التي يحوم جُلّها حول" العُنف السياسي " الذي بدأت فرائص التونسيين ترتعد لمُجرّد ذكره، والذي بدأ يُهدد بإدخال البلاد في متاهات العنُف و العُنف المُضاد، خاصة بعد تجاوُز عتبة المحضُور باسم"حماية الثورة"و"تطهير البلاد من رُمُوز الفساد" وإزهاق روح مُواطن تونسي تجري في شرايينه دماء تونسيّة وأب لستّة أطفال وهو المرحوم محمد لُطفي نقض أصيل ولاية تطاوين ورئيس الإتحاد الجهوي للفلاّحين والمحسوب على "حركة نداء تونس".
.الطبيب يسأل وزير الداخلية السيد علي العريض على سبب وفاة محمد نڨض و هو يجيبه أنها نوبة قلبية
صورة للرسام الكاريكاتوري علي بلخامسة 

   لقد أفزعت هذه الحادثة أغلب التونسيين وأصبحوا يخشون " لبننة البلاد "La libanisation de la Tunisie وفتح أبواب جهنّم لصراع سياسي بين " الشّرعيين " ومُعارضيهم المُلقّبين بغير حياء ب" أصحاب الصفر فاصل"، استُعمل فيه العُنف كأداة إقناع والقتل كأداة إخضاع.
ولئن كان  التنافُس-الصراع السياسي بين أحزاب مُتباينة المرجعيات ومُتناقضة الإيديولوجيات والأهداف والمشاريع مُحبّذا في الديمُقراطيّات التي نهدفُ إلى الاستفادة من خبرتها الطويلة ومن تنظيم مُؤسّساتها لتأسيس وطن حرّ يتّسع لجميع الفُرقاء السّياسيين، ويُعبّر كلّ طرف فيه عن آرائه دون خشية من تعرّضه للعنف المادي، فإنّ ما يُثير المخاوف في بلادنا إنّما هو عدم التوازُن بين طرفي التنافُس – الصّراع، ذلك أن أحد الطرفين لا يملك غير قوّة الحُجّة سبيلا إلى الإقناع، وهو الطرف المُعارضَ، بينما يتملّكُ الطرف الثاني " الشرعيّة" ويستند إلى تيّار عنيف لا يرى غير حُجّة القوّة سبيلا إلى فرض ما يراه صالحا للبلاد وللعباد، وأعني بذلك التيّار السلفي الجهادي الذي يصفُه أحد مُؤسّسي الاتجاه الإسلامي، الشيخ عبد الفتّاح مورو بقوله:
" إنّ الظاهرة السلفيّة الجهاديّة هي الخطر الأكبر الذي يُهدد تونس ما بعد الثورة نحو خّطواتها الأولى باتجاه الديمُقراطيّة."!!!

هذا الخطر ورم لسرطانيّ سريع الانتشار في الجسد السياسي للمُجتمع، وهو الأخطبوط الذي يمد مجاسه في كلّ الاتجاهات ليمتصّ النّور والانفتاح ورحيق الحداثة من جسد الأمّة ويُعوّضه بالانغلاق والانعزال في دهاليز ماضويّة كالحة الظُلمات.

   هذا الخطر بدأ يتضخّم كتضخّم كُرة الثلج المُتدحرجة من أعالي المُرتفعات، ومرّ بمراحل عدة، وأكّد كلّ مرة عجزا تاما وانعداما في كفاءة الحُكومة للتصدي له، ولعلّ

 أكثر تلك المراحل أهمية ما أُتُّفق على تسميته ب " غزوة السفارة " عشيّة 14 سبتمبر 2012 والاعتداء على مقامات أولياء اللّه الصّالحين مرورا بمقتل المُواطن محمد لطفي نقض بمدينة تطاوين، وهو لعمري أقصى درجات العنف السياسي.

ماذا كان رد فعل السلطة الحاكمة إزاء جريمة القتل هذه؟
صدر بيان رسمي عن وزارة الداخليّة يُعلم الرأي العام بأنّ المُواطن م.لطفي نقض توفّي إثر سكتة قلبيّة علما وأنّ تقرير الطبيب الشّرعي لم يُنجز بعدُ!!!
أيّ عبث هذا؟ هل نحن أمام مشهد من مسرحيّة " القضيّة "،LE PROCES للكاتب المسرحي فرانز كافكا؟

هل يُمكن أن يصل الغباء ببعض أجهزة السلطة إلى هذا الحد؟
هل يمكن أن يصل إستغباء المُواطنين إلى هذه الدرجة من السّادية؟
ما أتعس ألاّ يتّعض المسؤول السياسي بما في التاريخ من دروس وعبر!!!
بالأمس القريب عشنا نهاية نظام أمعن في إستغباء شعب كامل، فكيف كانت نهايته؟
ألا يتّعض أولوا الألباب بهكذا حدث؟
والأنكى أنّه في الوقت الذي يشير فيه الشيخ عبد الفتّاح مورو إلى خطر السلفيّة المُهددة للبناء الديمقراطي، فإنّ الشيخ الثاني المُؤسس لحركة الاتجاه الإسلامي، والذي تحوّل إلى زعيم روحي للحركة، الأستاذ راشد الغنّوشي، كثيرا ما لطّف من زلاّت " أبنائه " واعتبرها " حالات معزولة " وأنّه " يرى في السلفيين شبابه "، وأنّهم " أبناء تونس ولم نستوردهم من المرّيخ "، وأنّه لا يمكننا" فصل أنوفنا عن وجُوهنا " وأنّهم " لا يقومون بغير التعبير عن آرائهم بعد طول مُعاناة من الكبت والحرمان والقهر تحت نظامين دكتاتوريين استبداديين للمخلوعين "!!!
يبدو من تبايُن مواقف زُعماء حركة النّهضة أنّ تلك المواقف إنّما تخضع لسياق منطق ازدواجي مُمنهج حسب تقسيم مُحكم للأدوار في " لعبة السّفيه والعاقل ".
السلفيون خطرون جداً حسب منصف المرزوقي رئيس الجمهورية المؤقت
المصدر: فايسبوك صفحة الصباب L'INDIC
http://shr.tn/Vxgt

   لقد تبيّن اليوم لكلّ ذي بصيرة أنّ السلفيين يُمثّلون الأذرعة العنيفة لحزب حركة النّهضة، وأنّ السلفيّة لا يمكن البتّة أن تكون من دعاة الحريّة، وأنّه لا يمكن للسلفيّين أن يكونوا بأيّ حال من الأحوال ديمقراطيّين، لأنّهم بكلّ بساطة ليسوا مؤهّلين لا ذهنيّا ولا مورفولوجيّا لقبول الرّأي الآخر وأنّ عقولهم قولبت في إطار مُتكلّس ترفض الرّأي المُخالف لأنّها تنطلق من مُسلّمات لاترى لها تبديلا أو تغييرا بأيّ حال من الأحوال مهما اختلفت الظروف وتعاقبت الأزمنة وتنوّعت المُتغيّرات، وتعضّ بالتواجد على ما تعتبره حقائق مُطلقة وأزليّة، وتحديدا إذا ما تعلّق الأمر بقضايا نظام الحكم، والشريعة، ومدنيّة الدّولة، ووضع المرأة ، والتعدديّة الزّوجيّة، وأحكام الإرث و بنصيب الذكر والأنثى منه، وغيرها من القضايا التي يطول الجدال فيها.
   ولئن أوهمنا السلفيّون والنّهضويّون ذات يوم بمساندتهم للديمقراطيّة واستعدادهم إلى القبول بمبدإ مدنيّة الدولة وسعيهم إلى تدعيم مكاسب المرأة التونسيّة عبر مزيد تدعيم وتطوير مجلّة الأحوال الشخصيّة نحو الأفضل، فإنّ ذلك لم يكن سوى قبول تكتيكيّ ومقفزة  تضمن لهم التغلغل في دواليب الدولة والسّيطرة على أدقّ مفاصلها لإخضاع كلّ ميكانيزماتها إلى إرادتهم قبل أن يلقوا في سلّة المُهملات بوثيقة 18 أكتوبر على سبيل المثال ... وهذا الحوار الذي أجراه الأستاذ راشد الغنّوشي مع أحد السلفييّن وسرّب على الشبكة الاجتماعية لأكبر دليل على ذلك.
   إنّ القائد الرّوحي والمُنظّر لحزب حركة النّهضة ما انفك يُجيّشُ القواعد ويدعوها إلى التصدي للتيّارات المُعارضة بالعنف، ويرفض الحوار معهم وحتّى مُجرّد المُشاركة في مبادرة الإتّحاد العام التّونسي للشّغل للدفع بالحوار الوطني،  لمُجرّد مُشاركة حركة نداء تونس التي يعتبرها " إعادة إنتاج للتّجمع "، و في الوقت الذي تُؤكّد فيه عناصر قياديّة من حزب حركة النّهضة على تمسّكها بقيم ومبادئ الديمقراطيّة، نراه يدعو إلى سدّ المنافذ أمام الخُصوم، لا بل يرفض مُجرّد السماح للحركة الوليدة بممارسة نشاطها السياسي وتنظيم اجتماعاتها للتواصل مع أنصارها!!!
   وهكذا يتجلّى لنا تصوّر حزب حركة النّهضة للديمقراطيّة، هذا إذا كان يُؤمن أصلا بها.
فهل هكذا تكون المُعاملة العادلة للسلطة لمُختلف التظاهُرات في البلاد؟ هذا من جانب. ومن جانب آخر كيف نُفسّر صمت الجهاز القضائي إزاء دعوة زعيم حركة النّهضة أنصاره إلى السّيطرة على أجهزة الدّولة واعتباره جهازي الجيش والأمن " غير مضمونين "؟
ألا يُعد هذا تحريضا صريحا على الانقلاب؟
ثم من نصّب السلفيين وأمثالهم من النهضويين للسهر على " حماية الثورة "؟
وهل تشكو البلاد فراغا مُؤسّساتيّا ليُنصّب البعض أنفُسهم بدلاء لمُؤسّسات الدولة؟

وأخيرا وليس آخرا كيف يُسمحُ للسلفيين أو لمن يدعون السلفيّة، تلويث المشهد العام للمُدن، والانتصاب فوضويّا في الشوارع الرئيسيّة للعاصمة وأمام المساجد يبيعون شتّى أنواع المواد ذات الصبغة الدينيّة من زرابي للصلاة وسبح للذكر وكتب دينية وعطورات ومواد لتقوية القدرة الجنسية لدى الذكور، ولا ندري ما الذي سيبيعون غدا إذا تواصل الأمر على ما هو عليه.كلّ ذلك في تحد صارخ للقوانين المانعة للانتصاب  بدون ترخيص مُسبق وتعد على مجلّة التجارة، واعتداء على حقوق المُترجّلين في استعمال الأرصفة للتنقّل؟
وأخيرا من نصّبهم وُسطاء بين المرء وباريه؟ ومن كلّفهم بمُهمّة جرّنا عنوة إلى العصور الوسطى التي عمّها التخلّف الديني ولفّها التفكير الظلامي وعرفت انتشار الفتاوى الداعية إلى الإرهاب الفكري بالتدخّل لفرض نمط عيش لا يتماشى والعصر من حجاب ونقاب وإقناع بأنهما لباس العفّة بينما العفّة منبعها القلب والضمير، وإطلاق لللحى وحفّ للشوارب لدى الشبّان والتعطّر بعطر الموتى الرّديء؟
 يجري  كلّ هذا بمُباركة المسؤولين النّهضويين. فهل ننتظر منهم في قادم الأيّام منع التعليم عن الفتيات أُسوة بطالبان أفغانستان، وإكراه المرأة على البقاء في البيت والقبول بثلاث ضرائر تُقاسمنها حقّها في زوجها، وربّما إخضاعُها وبناتها إلى الختان على حد ما روّج له أحد المُرتزقين من الدين أثناء مروره ببلادنا بدعوة من زعماء النهضة الذين بالغوا في الاحتفاء به، إذ به يُهاجم المُجتمع المدني ويُكفّرُ النّاس ويتطاول على عُلماء البلاد!!!
   إنّ الذي يحدث في البلاد منذ 23 أكتوبر 2011 إنّما هو تقاسُم للأدوار في أجلى مظاهره بين الحكومة المُؤقّتة التي تُمسك حركة النّهضة بعنانها وبين حُلفائها من السّلفييّن، وتأثيثهم لمناخ في غاية السّلبيّة يستهدف الحريّات العامة عبر مُهاجمة الفنّانين والمُبدعين من مسرحيّين وسينمائيّين وفنّانين تشكيليّين وإعلاميّين، يصفهم بأقذر الأوصاف وذلك بهدف خلق حرب نفسيّة تهدف قي آخر المطاف إلى نشر التّخويف الذي يُولّد الارتباك، لدفعهم إلى الانسحاب من الساحة أو إلى  التنازل عن استقلاليتهم والقبول بالواقع البائس ومُحاولة التعامُل معه. وفي هذا الاتجاه يندرجُ ما حدث بمدينة القيروان في الأيّام القريبة الماضية من اعتداء على الشّاعر التقدمي والأستاذ الجامعي المُنصف الوهايبي أمام بيته من قبل
 " عناصر مشبوهة "!!!
   الحقيقة أنّ هذا النّوع من الاعتداءات السّلفيّة الساعية إلى ضرب الحريّات التي لم يبخل البعض من شبابنا بدمائه ثمنا للحصول عليها، قد ظهر منذ الأسابيع الأولى التي تلت الثورة وكان آخر تجلّياتها الاعتداء على أضرحة ومقامات أولياء اللّه الصّالحين في عديد المناطق على غرار الاعتداء على مقام الوليّة الصّالحة السيّدة المنّوبيّة فجر يوم الاثنين 15 أكتوبر وإحراقه من قبل مجموعة من المُلثّمين المُرتدين لباسا أسود اللون قبل أن يقوموا بالسلب والنّهب و ... التحرّش الجنسيّ بحفيدة وكيلة الزّاوية!!!

آثار الحرق في زاوية السيدة المنوبية  


قبل هذا الاعتداء هوجمت عديد المقامات والزوايا منها:

- الاعتداء على زاوية سيدي عبد القادر الجيلاني بمدينة منزل بوزلفة في14 سبتمبر 2012-
- الاعتداء بالحرق على زاوية سيدي عبد اللّه الغريبي بمدينة سيدي بوزيد في شهر أوت 2012.
- الاعتداء على زاوية صوفيّة بمدينة القيروان في شهر أوت 2012.
- الاعتداء بهدم الجُزء العُلويّ لقبّة مقام الوليّ الصالح سيدي المُحارب في ولاية المُنستير في شهر ماي 2012.
- الاعتداء بالهدم بآلة جارفة على زاوية سيدي يهقُوب بمنطقة زليطن من مُعتمديّة مطماطة الجديدة بولاية قابس في شهر ماي 2012 أيضا.
- الاعتداء بالنّبش لمقامات بعض الأولياء بعديد المناطق من ولاية صفاقس: المحرس والغريبة والسخيرة.
   لقد أصبحت إذا مقامات أولياء الّله الصّالحين في تونس اليوم مُهددة بزحف هذا التسونامي السّلفي الذي قد يغمُر قريبا زوايا سيدي مُحرز بن خلف وأبي الحسن الشّاذُلي وأبي سعيد الباجي وسيدي ابن عروس وسيدي علي الحطّاب ومقام سيدي الصحبي وسيدي أبي لُبابة الأنصاري، وغيرها من الزوايا والمقامات التي تُمثّل علامات مُضيئة لماضينا وحاضرنا ومُستقبلنا الثقافي .لذا فإنّ على الوزارات المعنيّة التحرّك بأسرع ما يُكُون لمنع معاول الهدم والاغتيال الثقافي ومحو ذاكرة المُجتمع من الوُصول إلى المعالم الأثريّة، لأنّ ما أفزعنا أن كل هذا الذي حدث كان على مرأى ومسمع من السلطات، وربّما-لاأشك في ذلك- كانت على علم مُسبق بوقوعها، إلاّ أنّها لم تُحرّك ساكنا ولم تسع إلى إيقاف المُعتدين ومُحاكمتهم.
   لقد أكّدت الاعتداءات إيّاها أن سلفيي تونس من أنجب تلاميذ الحركة الوهابية- رغم أنّ  أجدادنا رحمهم اللّه عرفوا كيف يتصدون لها-التي سبق أن هاجم أنصارُها ضريح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة ونهبوه، وهاجموا أضرحة الصحابة رضوان اللّه عليهم جميعا، وأضرحة زوجات رسول اللّه وأمّهات المُسلمين ، ممّا تسبّب في إتلاف جُزء هام من التراث الديني والحضاري لأوّل عاصمة  للُمُسلمين. ولم يسلم التراث الشيعي بدوره من همجيّة الوهابيّين إذ هوجمت العتبات الشيعيّة المُقدسة في جنوب العراق لأنهم يعتبرون أن للشّرك وجهان، وجه تُمثّله الفرق الصّوفية ومظاهرها الطرقيّة بينما يُمثّل التشيّع الوجه الآخر لكونه في رأيهم خروج عن الإسلام.

لقد أدخل السلفيّون الوهابيين، و الجهاديوّن منهم تحديدا على الإسلام مفاهيم تفصل بينها وبين قيم التسامُح والاعتدال سنوات ضوئيّة، وأظهروا الإسلام في نظر الغرب كديـن رجعيّ مُتكلّـس ومُتحجر الفكـر، يُبيح قتــل الأبريــاء باسـم " الجهاد "، ويُفجّر القطارات والعقارات والمطارات والنُّزُل وحافلات السيّاح، ويُهاجم مقرّات السفارات الأجنبيّة ويقتُل السفراء، فقدموا بذلك خدمة مجانيّة كم بحث عنها الغرب منذ الحروب الصليبية لتسويقها قصد تشويه الدين الإسلامي الذي أصبح في نظر العالم كلّه رمزا للهمجيّة والعنجهية والتطرّف والانغلاق الفكري والعجز عن مُواكبة مُستجدات العصر الذي نعيش. وإذا قيل قديما أن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، فإنّه يجوز القول اليوم أن السلفي الجهادي يُسرعُ بأفعاله إلى إلحاق ضرر بليغ لا بالأمّة فحسب بل بالدين الإسلامي ككل.
يا له من إنجاز عظيم!!!
هل هذا هو الدين الذي يأمُر اللّه رسوله فيه بأن يُخاطب النّاس باللّين وأن يدعو إلى سبيل ربّه ب:
" الموعظة الحسنة "
وأن يُجادل مُعارضيه ب " التي هي أحسن "؟
   إنّ سلفيّي بلادي لا يدخرون جهدا لإدخال هذا القُطر الذي لطالما عاش فيه  النّاس آمنين ، في " دكتاتوريّة " سلفيّة منهجُها العُنف ومُعاداة الفكر النيّر والتصدي للإبداع والوُقوف بقوّة السيوف ضد كل من يعارض مرجيّتهم التي لا ترى غير الخلافة نظاما سياسيّا وغير الشريعة تنظيما للمُجتمع.ومن أجل أجل بلوغ أهدافهم صادروا مئات المساجد يبثّون من منابرها أفكارا تغسل أدمغة شباب شبه مُثقف لا يمتلك من الأسلحة الفكرية ما يُهيّئه للنقد وللتّساؤل عن صحّة ما يستمع إليه من خُطب رنّانة، حماسيّة تُخاطب العواطف لا العُقُول، فيجد نفسه مشحُونا بأفكار غير مواكبة لمسار التّاريخ، ويتحوّل عن غير دراية إلى أداة تنفيذ ل" أعمال قذرة " يأمُر بها القادة كمُهاجمة سفارة أعظم دولة في عالم اليوم، دون التفكير في تداعيات العمليّة ذاتها على مُختلف الأصعدة، الدبلوماسية منها والاقتصادية والثقافية والملية والتتنمويّة والعسكريّة والإستراتيجيّة ...، أي تلك التداعيات التي تُحدد مصير البلاد كلّها على المدى الآني والمُتوسط.
ويبدو أنّهم( السلفيّون) قد وجدوا مساندة صامتة من قبل تعامُل جهاز الأمني مع ما يقومون به وإلاّ كيف نُفسّر التعاطي الأمني المُبالغ في استعمال العُنف تُجاه الإحتجاجالت السلميّة والمدنيّة باستعمال الرصاص والقنابل المُسيلة للدموع واقتحام منازل المُواطنين في حيّ الملاّحة بضاحية رادس على سبيل الذكر، ممّا انجر عنه سقوط عشرات الجرحى وكذلك إتلاف الكثير من التّجهيزات خلال مُواجهة أهالي قلالة بجزيرة جربة لتمسّكهم بحقّهم في المّطالبة في العيش في بيئة سليمة، بينما تبقى قوات الأمن في انتظار " التعليمات "، ولا تُحرّك ساكنا إذا ما تعلّق الأمر بتظاهُرات تقودُها القُوى السلفيّة كما حدث عشيّة " غزوة السفارة " في 14 سبتمبر 2012 بداعي " الدفاع عن رسول اللّه "؟

   لقد اتّضحت الآن  ملامحُ تلك اللّهفة الشديدة الغباوة على حد تعبير أحدهم، من قبل الحزب الحاكم، وذلك النّهم الشديد والشّراهة اللاّمحدودة والتوثّب للقفز إلى مراكز القيادة للمسك بالسلطة رغم النّقص الفاضح والفادح لعنصري التجربة والخبرة، مما يُفسّر الارتجال والتلعثُم والتردد والتراجع أحيانا في القرارات، وخاصة الأخطاء الفادحة والتمادي في الخطأ بدافع المُكابرة والغرور والغطرسة في تمرير نُصوص قوانين لم يُنادي بها شباب أطاح بنظام ابن علي الموغل في الفساد.
   إن الفريق الماسك بزمام الأمور في بلادنا اليوم، قد أدخلنا في متاهات لا نهاية لها تتعلّق بالهُويّة وتطبيق الشريعة والتعددية الزوجيّة، وفي جدال لُغويّ عقيم حول وضع المرأة في المُجتمع كشريكة للرجل أو كمُكمّلة له أو كمُتساوية معه عليها ما عليه من واجبات ولها ما له من حُقُوق، وعمد إلى السّيطرة على أجهزة الدولة عبر تعيينات في المناصب الحسّاسة على أساس الولاء الحزبي لا على أساس الكفاءة تمهيدا لدكتاتوريّة جديدة ينصهرُ فيها الحزب والحُكومة ولا يُعترفُ فيها بالتعددية الحزبيّة التي يرفُضها مُؤسّس ومُلهمُ الحركات الإسلاميّة الشيخ حسن البنا رفضا قطعيّا يؤكّدُه السيد قُطب الذي يرى بدوره" استحالة التوفيق بين الإسلام والديمُقراطيّة بأيّ حال من الأحوال "، ويدعو إلى " الدكتاتوريّة العادلة " التي تضمنُ الحريّات " لغير الصّالحين "!!!
   لقد وصلنا اليوم و بعد سنة من انتخاب أعضاء المجلس الوطني التّأسيسي إلى " عنق الزجاجة "على حد تعبير المُعارضة المُؤثّثة للمشهد السياسي، فما هو السبيل إلى تجاوُز هذه المرحلة الدقيقة للوُصول بتونس إلى شاطئ الأمان والانطلاق في بناء غد أفضل لكلّ المُتساكنين، بناء تونس التي نُريد في ظلّ التسامُح والاعتدال وانخراط كل القوى في الدفع إلى ما فيه خير الجميع بدون أي شكل من أشكال الإقصاء، وفي مناخ من " المُواطنة المسؤولة " لتحقيق ما طالب به شبابها من تشغيل وحريّة وكرامة وطنيّة. وإن غدا لناظره لقريب.
                                                                                             العوينة، 23 أكتوبر 2012.