dimanche 14 janvier 2018

الرّبيع العربي ... سبع سنوات وبعد

منذ بضع سنوات وجدت الأنظمة السياسية العربيّة نفسها في طريق عدم استقرار لم تخترهُ ولم يتنبّأ به قادتها  حتّى في أحلك كوابيسهم ، متوهّمة  أنها مُمسكة بمقاليد الحكم في بلدانها بقبضة من فولاذ بفضل منظومة أمنيّة وان بدت  رهيبة ومحكمة التنظيم ومعقّدة في الظاهر، موجّهة إلى قمع الشعوب أكثر من توفيرها الأمن والأمان لها،بحماية أجساد وأعراض ومُكتسبات  أفرادها، لكن في الحقيقة   نخرها الفساد  من الداخل، وأغرقتها الأمراض الإجتماعية من رشوة ومحسوبيّة ودوس على أبسط الحقوق،  وطغى على المشتغلين فيها  جنون العظمة إلى حد أن الرأي العام أصبح يُنادي رجل الأمن ب"الحاكم" ...
ولئن تمكّنت بعض هذه الأنظمة، الخليجية منها تحديدا، من تجنّب موجة الغضب الشعبي الجارف-ولو إلى حين-، إلا انها وجدت نفسها تحت ضغط القوى الإقليمية من ناحية، وضغط القوى العظمى من ناحية أخرى(وهذا ليس جديدا عليها)، الساعية إلى فرض خياراتها السياسية والإقتصادية وفقا لمصالحها الإستراتيجيّة ضمن لعبة تقاسم مناطق النفوذ في العالم، فإنّ أنظمة أخرى منتهية الصلوحيّة "تفاجأت"، وهي المُصابة بعمى الألوان، بانفجار جماهيري رهيب، قوّض أركانها المُتداعية للسقوط، وأزاحها من سدّة الحكم لتُعوّضها الإرادة الشعبيّة من ناحية، واختيارات النُخب السياسيّة من ناحية أخرى، بأنظمة مُتعطّشة للديمقراطيّة وترنو إلى الشفافيّة والحوكمة الرشيدة، وإلى تركيز نظام إجتماعي أكثر عدالة واستجابة لمطامحها ولتوقها إلى تفعيل ما رفعته من شعارات تُنادي بالشّغل وبالحريّة وبالعدالة الإجتماعيّة، وتفعيل إرادة الشعب ...
شعارات انطلقت من غربي البلاد التونسية لتجد صداها في ميدان التحرير بالقاهرة المعزيّة وبالساحة الخضراء بطرابلس الغرب، وفي شوارع دمشق الأبيّة، قبل أن تندسّ القوى الرجعيّة والمشكوك في ولائها الوطني لتُحوّل "الثورة" إلى حرب أهليّة تنفخ على لظاها وتُذكي نيرانها القوى الدوليّة مُتضاربة المصالح ...
هذا الوضع المُتشعّب والذي وجدت  بعض البلدان العربيّة نفسها في خضمّه في السنوات الأخيرة، هو في رأيي من أكثر الفترات التاريخيّة خطورة في حياة العرب، يُذكّرنا بالفترة التي سبقت تركيز إستعمار القوى الإمبرياليّة الغربيّة فيها  بين القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، أي تحديدا منذ استعمار الجزائر سنة 1830 إلى  وعد بلفور الذي احتفلت بريطانيا منذ اسابيع قليلة  بمرور قرن على إعلانه من قبل خارجيتها وباسم جلالة الملك البريطاني المُعظّم، وقبل ذلك امضاء اتفاقية سايكس بيكو التي  مكّنت بريطانيا وفرنسا الإستعماريّتين  من اقتسام ممتلكات"الرجل المريض" ولم تُشرف الحرب العالميّة الأولى على نهايتها بعدُ ...



قد يُؤدي هذا الوضعُ إلى خروج الشعوب العربيّة كُليّا من التاريخ بعد أن عاشت طويلا على هامشه، وتقدّمها رويدا رُويدا نحو إندثارها على غرار شعوب أخرى، اختفت أو كادت من المسرح السياسي والإقتصادي والعلمي، ولنا في ما حدث للسكان الأصليين في القارتين الأمريكية والإقيانوسيّة خير مثال على ذلك ...(1)
قلت ان  هذا الوضع ليس جديدا على العرب إذ يعود  إلى قرون خلت، لكن أزاح الغطاء عنه في بداية التاريخ الحديث على الأقل الإهتمام المُتزايد بمنطقة الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسّط، وبضفّته الجنوبيّة تحديدا، من قبل القوتين العُظمتين عصرئذ، وهما الإمبراطوريّة الإسبانية من جهة والإمبراطوريّة العُثمانيّة من جهة اخرى، لما كانت تُمثّله هذه المنطقة من أهميّة إقتصاديّة واستراتيجية كبرى رغبت كل من الإمبراطوريّتين في  السيطرة عليها وإلحاق كياناتها السياسيّة بها(2). ومنذ سنة 1574 نجحت الجيوش العثمانية بقيادة سنان باشا في وضع يدها على جزء كبير من شمال القارة الإفريقيّة، والتخلّص من الحضور الإسباني الذي استقطبته القارة الأمريكية حديثة الإكتشاف عبر المحيط الأطلسي الذي سيُصبح تدريجيّا مركز المبادلات التجاريّة العالميّة على حساب البحر الأبيض المُتوسّط...
وهكذا حوّل العُثمانيّون ليبيا وتونس والجزائر إلى إيالات مُلحقة بالباب العالي وتُسيطر فرق الجيش الإنكشاري الرهيبة على مقاليد الحكم فيها.فكان احتلالا لا يقلّ ضراوة واضطهادا وظلما واستغلالا واستنزافا للقدرات المحليّة من الإحتلال الروماني سابقا  أو الفرنسي لاحقا (3)...إذ لم يسع البتّة إلى النهوض بشعوب الإيالات فكريا وعلميّا، بل سعى إلى زعزعة البنية العقائديّة والمذهبيّة بفرض المذهب الحنفي على شعوب عانقت المالكيّة منذ انخراطها في المنظومة الإسلامية إذا ما استثنينا فترة حكم الفاطميين للمهدية فيها والخوارج في تاهرت، ما ساهم في تقسيم الشعب طائفيّا بعد ان كان مُقسّما إلى ريفيين وحضريين، أي إلى بدو ورحّل يمتهنون الفلاحة والرعي لتوفير الغذاء للحضريين في المدن من حرفيين وتجار وفئة قليلة العدد من المثقفين و"العلماء" من خريجي الجامع الأعظم بالعاصمة أو جامع عقبة بالقيروان والذي من بينهم كان يُنتدبُ أئمة المساجد وكتّاب العقود بمختلف أنواعها والمدرّسون والموظّفون أي اولئك اللذين تحتاجهم مختلف الدواليب الإدارية للدولة ...

تونس في العهد العثماني
  
ولعلّه من الأهمية بمكان التأكيد على أنّ الحضور العثماني لم يرتق بالبلاد التونسية على سبيل المثال إلى مُستوى  من التحضّر أرفع مما كانت عليه، إذ لم يُشجّع على الإبداع ولم يُؤسس المدارس بالعدد الكافي ولم يُشجع الناشئة على الإقبال على التعلّم ولم  يستثمر في البحث والتاليف العلمي، رغم ان هذا الحضور تجاوز ثلاثة قرون وثمانين سنة، منها قرنان واثنين وخمسين سنة تحت مسمى الحكم الحُسيني.
كما أنّه لم يسع إلى خلق الثروات وتكوين رأس مال محلّي قادر على مُسايرة ما كان يُستجدّ شمال المنطقة المتوسّطيّة من نهضة فنيّة  و ثورة زراعيّة عقبتها ثورة تقنيّة و ثورة صناعيّة، بل لم يكن همّ النظام العثماني غير تحويل الإيالات إلى أبقار حلوب يدر ضرع الواحدة منها أكثر ما يُمكن من الخيرات، ضرائب ومنتوجات فلاحية وغيرُها ...
ولم تكن فترتا حكم حمودة باشا الحُسيني والمُشير الأول أحمد باشا باي في تونس غير استثناء للقاعدة العامة  سعا خلالها البايان إلى تحقيق شبه نهضة اقتصادية في البلاد...
وكانت النتيجة تميّز الوضع العام في تونس بالجمود الفكري والتأخّر الإقتصادي والتطاحن اللامُتناهي بين الحاكم والمحكومين خاصة في الأرياف التي هُمّشت مما أدى إلى انتفاضات الأهالي المُتتالية من أهمّها الإنتفاضة العارمة التي قادها علي بن غذاهم الماجري(4)سنة 1864 في وقت بدأ فيه الفكر التحرّري يخطو خُطواته الأولى ويسعى إلى تركيز رؤية جديدة للمجتمع وللنظام السياسي مما أسفر عن إعلان عهد الأمان سنة 1857 أولا يليه إعلان دستور 1861 ...
لقد عكس هذان المرسومان،  والذي سبقهما قرار أحمد باي المتعلّق بتحرير العبيد ومنع بيعهم في البلاد و ذلك سنة 1864 أي قبيل زيارته إلى فرنسا،  رغبة ملموسة في طرح رُؤية جديدة لتنظيم المجتمع التونسي ووضعه على سكّة التقدم الحضاري بتأسيس منظومة الحقوق والواجبات بين الأهالي والأجانب ما لم يتعارض ذلك مع تعاليم الشريعة الإسلاميّة، وهو ما مهّد له المفكّرون كأحمد بن أبي الضياف وسليمان بوحاجب وخير الدين باشا التونسي، وقد تضمّن كتاب هذا الأخير "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" السّبُل المؤدّية إلى إصلاح أوضاع البلاد، و أضحى أحد المراجع الهامّة في مجال العلوم السياسية.
وهكذا نلاحظ بداية تحرّك جزء من النخبة وخاصة المتنوّرة والحداثيّة لطرح أسئلة حارقة للنقاش لإستكشاف الطرق القويمة للخروج من حالة الوهن التي كانت عليها البلاد، ومن بينها سؤال مركزيّ حول أسباب تأخّر العرب وتقدّم الغرب ...

 
المشير أحمد باشا باي الأول
 

وبذلك بدأت حلقة أخرى من حلقات صراع انطلق ولم يتوقّف ، منذ " السقيفة" بين الأصوليين والتحررين ...أدرك خلالها التحرريون أن بلورة مفهوم عصري للإسلام وللحياة  هو الشرط الأساسي للتخلص من تاخّر المسلمين و تثبيت حُضورهم وتأكيده  في قلب دائرة التواصل الكوني لا على هامشها، فيما تمسّك الأصوليّون المُتزمّتون برُؤيتهم التقليديّة الرافضة لكل تجديد باعتباره  بدعة وفتنة تُؤدّيان إلى الضلالة ...
ولئن خبا توهّج الجدال نسبيّا بين شقّي المثقفين سواء في بلادنا وحتى في سائر البلاد العربيّة، كالشام والعراق ومصر ليترك المجال في وقت من الأوقات للنضال ضد القوى الإستعماريّة ، فإن جذوته لم تنطفئ حتى وإن فقد الأوليّة على مسرح تطارح الأفكار الذي يُؤذنُ فقدانه في أي مجتمع كان بالخراب والتصحّر الفكري ...
في مصر لفتت اعمال بعض المفكّرين الأنظار منذ عودة الوفود الطلاّبية من العواصم الأوروبية التي وجّهها إليها محمد علي باشا حاكم  البلاد، لتنهل من مصادر العلم والمعرفة، بطرحهم أفكارا تجديديّة تضمنتها مؤلفات عدّة لعل أكثرها إثارة مؤلف رفاعة رافع الطهطاوي "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، إلى جانب مؤلفات الشيخ جمال الدين الأفغاني وأتباعه كمحمد عبدة ومحمد رشيد رضا ... وصولا إلى المؤلّف الحدث الذي أقام الدنيا ولم يُقعدها "أصول الحكم في الإسلام" لعلي عبد الرازق ...
في تونس شهد القرن التاسع عشر بروز نفس تنويري جسّمته جماعة خير الدين باشا التونسي ليتواصل خلال عشرينات وثلاثينات القرن العشرين بواسطة دُعاة التحرر الفكري والمجتمعي كالشاعر ابو القاسم الشابي والمصلح الإجتماعي  والمناضل النقابي الطاهر الحدّاد . وبالتوازي ظهرت موجة ادبية وإعلامية جديدة يقودها الروائي علي الدوعاجي والشاعر محمود بيرم التونسي والصحفي الهادي العبيدي ...
تواصل المد والجزر بين الأصوليين و الحداثيين في السنوات التي عقبت إستقلال البلاد حول النمط الذي يستوجب أن يكون عليه المجتمع والتربية والثقافة في تونس المُستقلّة.ولئن اشتد الجدالُ أحيانا بين "المُستغربين" و"الزيتونيين" فإن الحسم جاء من قبل سلطة سياسيّة قويّة، لها من الإرادة الفولاذية والعزم ما وجه البلاد نحو وجهة تقدمية، تجسّمت في تتالي القرارات الهادفة إلى عصرنة البلاد، اقتصادا ومجتمعا وتربية، فكانت الدعوة إلى المساواة بين الذكور والإناث، ونشر التعليم في كامل ربوع البلاد وجعله مجانيا وفي متناول أبناء العائلات الضعيفة بتأسيس المدارس في البوادي والأرياف، وتحرير المرأة من غطرسة وسيطرة الذكور بمنع الطلاق على الصيغ التقليدية ومنع التعددية الزوجيّة في بلد عُرف منذ قرون ب"الصداق القيرواني" الذي ذاع صيتُه في كل أرجاء البلاد العربيّة منذ القرن الثاني للهجرة ...

  

وبذلك اكتسى المجتمع التونسي حلّة العصرنة وأصبحت للمرأة فيه مكانة تتمنى بقية النساء العربيّات الحصول عليها في بلدانها ...
إلا أن تضخم الأنا السياسية عند "الزعيم الأوحد" أدّت إلى منع وجود الأحزاب المعارضة بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة على النظام،في بداية ستينات القرن الماضي، ليُفتح الباب على مصراعيه أمام الإستبداد بالرأي وانعدام الجدال على اساس الفكر والفكر المعارض فقبعت المعارضة السياسية في السرية في الداخل على نقيض نشاطها في الخارج في صفوف الطلبة والمثقفين المهجّرين، وزُجّ باليساريين من الطلبة والعمّال  في السجون ليتسم المناخ السياسي في  الظاهر بهدوء يُخفي نارا خامدة  تحت الرماد ...
وفي نهاية شهر ديسمبر وبداية شهر جانفي 2011 انفجرت الأوضاع لتطيح بنظام اتُفق على انه أوصل البلاد إلى شفا حفرة لما كان ينخره من فساد ونهم وشبق للمال العام وضرب بحقوق الإنسان عرض الحائط  ...
وغداة "ثورة الياسمين" عاد الجدال من جديد بين قوى تدعي العودة الى الجذور لإصلاح الأمراض الإجتماعيّة، أي بالنسج على منوال "السلف الصالح" وبتطبيق الإسلام في إطار تركيز نظام"الخلافة"، ذلك لأن الحل في نظرها هو الإسلام، وبين قوى تقدمية ترفع شعار التصدي للقوى الرجعيّة التي تراها ظلاميّة، وتطمح إلى الحصول على مزيد من القوانين الضامنة لمدنيّة الدولة ولحرية الضمير  ولتحقيق العدالة والمُساواة بين كل أفراد المجتمع وفي جميع المجالات لا فرق في ذلك بين ذكر وأنثى ...
لقد كان القادح لعودة هذا الجدال رجوع رموز السلفيّة والتشدّد الديني من المنتمين إلى حركة"الإتجاه الإسلامي" من المنافي ومُغادرة المتشدّدين المتورّطين في جرائم ضد النظام القائم وأولئك الذين شاركوا في حوادث مدينة سليمان، من السجون بعد الإعلان عن العفو التشريعي العام ...
وتم فتح البلاد على مصراعيها أمام رموز التشدد والتعصّب وأعلام التكفيريين، ليرتعوا في رُبوع البلاد تحت حماية قادة  حركة الإتجاه الإسلامي التي غيّرت اسمها إلى حزب حركة النهضة، يُلقون المحاضرات في الجوامع وفي دور الثقافة، وحتى بين جدران الجامعات، معاقل العلم والمعرفة وحصون العقلانيّة، يُروّجون خطابا عنيفا مُؤدلجا ومُعبّئا للطاقات الشبابيّة.خطابات لم نتعود سماعها خارج الفضائيّات المحسوبة على الأنظمة الوهابيّة.خطابات تمزج الديني بالسياسي وتُهيج أنصاف الأميين والجاهلين لعمق المعاني والمقاصد التي تتضمّنها رسالة الإسلام.ركيزتها أحاديث منسوب أغلبها إلى رسول المسلمين،  تنادي بحتميّة العنف والتصدّي للفكر المُغاير ولا تتماشى البتّة وروح الإسلام وما يدعو اليه من تسامح وتعايُش. تنشر الكراهيّة والعنصريّة ، تُفضّل النقل على العقل، وتعزف على الغرائز المكبوتة في أجساد شباب مهمّش و محروم،  يحلم بحور العيون ومُقتنع بأنهن ينتظرنه في جنّات الخلد بالعشرات وربما بالمئات إذا ما أقدم على أعنف وأقذر الأعمال يراها وحده مطيّة منها ينتقل إلى الفردوس الأعلى ...



وكانت النتيجة مرور البلاد التونسية، منبع "الربيع العربي" بين أواخر 2011 و2014 بفترات مظلمة شهدت الإعتداءات على قاعات السينما، والهجوم على مقر قناة فضائية وعلى مقر سكن مالكها، وعلى قاعات عرض للفن التشكيلي، والإعتداء الصارخ  على السفارة والمدرسة الأمريكية ونهب محتوياتهما مما كلّف الحكومة لاحقا دفع ملايين الدنانير كتعويضات، والهجوم على المسرحيين في شارع بورقيبة بالعاصمة وهم يحتفلون باليوم العالمي للمسرح، دون ان ننسى "غزوة المنقالة" ومنع الفنانين من القيام بعروضهم المسرحية  ...
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بلغ مرحلة الإغتيالات السياسية والإعتداءات على الأمنيين والجنود، وقطع رؤوس مواطنين أبرياء والتنكيل بالجثث ...
واليوم وقد خطونا سبع أشواط على اندلاع "الربيع العربي"، وبعد ان ادعت القوى الرجعيّة ممثلة في حزب حركة النهضة، فصل الديني عن السياسي، والتخلّي  ظاهريا عن اللإسلام السياسي، ونُكران الإنتماء في يوم من الأيام إلى تنظيم الإخوان المسلمين، ها أن الجدال يعود من جديد، بأقل حدّة، حول رهان مدني تقدّم به رئيس الجمهوريّة يتعلّق بالمساواة في الإرث بين الذكر والأنثى، ليرد عليه زعيم كتلة النهضة في البرلمان بإلغاء التعليم المجاني وجعله تحت نظر نظام الأوقاف، الذي تمّت تصفيته بعد الإستقلال لتحرير العقود العقاريّة المُجمّدة وتنشيط الدورة الإقتصاديّة، وبعث صندوق لجمع الزكاة وتوزيعها على فقراء القوم ومُحتاجيهم ...
ولعل هذا المشغل الأخير هو المحكّ الرئيسي الذي يُختبر فيه صدقُ الحركة الأصولية فيما يتعلق باعلانها عن توجّهها المدني وتخلّيها عن مزج الديني بالسياسي خاصة وان الظرفيّة العالميّة لم تعد تهبّ في اتجاه مصالحها ...
ويبقى السؤال الحارق المقض لمضاجع التونسيين، متى الخروج من هذه المتاهات الجدالية وقد مرّت على الثورة سبع سنوات عجاف ازداد فيها الوضع الإقتصادي والإجتماعي وحتى النفسي تعكّرا؟ ...