mardi 4 septembre 2012

غريب واللّه ما يحدث برعاية حكومة النّهضة


  نُظّمت بالبلاد التونسيّة في نهاية الأسبوع الماضي ، مسابقة دوليّة وهي جائزة تونس العالميّة الثانية لحفظ القرآن الكريم وتجويده، والتي انضوت تحت رعاية وزارة الشؤون الدينيّة وشارك فيها عدد من المتسابقين من البلدان الشقيقة والصديقة التي يجمعها رابط الإسلام.
وإن كان لا اعتراض لديّ على أيّ نوع من المسابقات في أيّ مجال كان ، لما تجُره من تحفيز للشباب  حول موضوع ما ، وتُوجّه  طاقاتهم إلى ما ينفع العباد والبلاد ، ويضيف حركيّة إيجابيّة على العطل المدرسيّة والجامعيّة الصيفيّة ( والتي أراها طويلة جدّا وغير مُستغلّة ، ممّا يطرح قضيّة مراجعتها وإعادة  تصوّرها وهو ما بدأت التفكير فيه المصالح المُختصّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وفي اليابان - وقدكنت أثرت هذه القضيّة منذ أكثر من سنة ودعوت إلى التفكير في حسن استغلال العُطل المدرسيّة الصيفيّة- وبالتالي علينا بالمسايرة الحينيّة  لمستجدات المجال التربوي )، قلت أن لا اعتراض لدي لأيّ نوع من أنواع المسابقات التي  يشارك فيها الشباب ليُعبّروا في إطارها عن ذواتهم ويُفجّروا طاقاتهم وإبداعاتهم، إذا ما سمحت لهم الظروف بذلك، إلاّ أنّي أعترض على هذا النوع من المسابقات لأنّي لا أرى لها أيّ مساهمة ماديّة وإيجابيّة تُساعدنا على معالجة رواسب تخلّفنا العلمي والتقني والخروج  من عُنق زجاجة السلفيّة التي بدأنا نختنق بعطر الموتى الذي تبُثّه في الفضاء، وبالسلاسل التي تُكبّلُنا بها وتشُدنا إلى الوراء، إلى أكثر من أربع عشرة قرن.


حفل تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن


    ويزداد اعتراضي  عليها في ظلّ غياب أي نوع آخر من المسابقات العلميّة التي توقظ العقول وتُحفّز الأذهان وتُفجّر في الشبّان حب الإطلاع العلمي وتُحبّبهم في البحوث العلميّة والتقنيّة وتُمهد لهم طريق الاختراع والابتكار بما لا يجول بخاطر الكهول والشيوخ من الآباء و الأجداد.

    ويزيد اعتراضي أكثر بعلمي بالحجم المالي للجوائز المرصودة للمُتفوّقين في حفظ القرآن والتجويد والذي بلغ 41 ألف دولار للمُتفوّقين الثلاثة الأوائل والذين سيتحصّلون على جوائزهم في احتفال ضخم يُنظّم يوم 4 سبتمبر 2012 بقصر قرطاج!!!

  وللعلم فإن تكاليف المسابقة أكثر من ذلك بكثير لأنّها ستشمل استقدام 20 مشاركا في مسابقة حفظ القرآن الكريم و 16 مسابقا في التّجويد، زيادة عن إقامتهم ونقلهم ومأكلهم والجوائز التشجيعيّة لمن لم ينل الجوائز الأولى وربّما تكاليف الميداليّات التي ستُضرب بالمناسبة وستُمنح للمُشاركين تخليدا للذكرى المجيدة، إذ لا يُعقل أن يعودوا إلى بلدانهم خاليي الوفاض.

    هذا يعني أنّ المُسابقة ستُكلّف الوزارة حسابيّا مئات الملايين من الأموال العموميّة المُتأتّية مما يدفعه المواطنون من الضرائب.

    هكذا يكون حقّا حُسن التصرف في الأموال العموميّة، خاصّة وأنّ طرُقاتنا لم تعد في حاجة إلى صيانة ، وإنتاجنا للكهرباء يزيد عن حاجاتنا، والماء الصالح للشراب يغمُر كلّ قرانا وتمتد شبكة أنابيبه على كامل مجال البلاد فلم يعُد من يشكو بيننا من الضمأ في شهر رمضان وفي عزّ الصيف، وأصبحت منتجاتنا الفلاحيّة رخيصة الثمن وأصبح يُضرب المثل برُخصها في العالم، ومُؤسّساتنا التعليميّة تُسجّل أرقاما قياسيّة في حُسن التّجهيز، وكذلك الشّأن بالنسبة لمطاعمنا الجامعيّة ، وأصبح أصحاب المقاهي في بلادنا يشكون الكساد لانعدام البطّالين عندنا إلى حد أصبحنا نستجدي البلدان الصديقة والشقيقة لمدّنا بما لديها من فائض لليد العاملة نُؤثّث به مصانعنا ومعاملنا وحقولنا وحضائر البناء...

    هكذا يكون فعلا حسن التصرّف في الأموال العموميّة ، ونحمد اللّه على ذلك بعد أن أُبتُلينا من قبل بمن ينهب المال العام، ونستزيده من الحمد لابتلائنا بحكومة تحرص على مصالح الشعب، لا بل تحرص على عدم مخالفتنا منهج السلف الصالح، ويسعى وزيرها للشّؤون الدينيّة إلى "حفظ" القرآن الكريم  وكأنّ عقله الباطن يعكس عدم اقتناعه بقوله تعالى:
"إنّا نحن نزّلنا  الذكر وإنّا له لحافظون"، الحجر، الآية9.
إنّ للّه  في خلقه شؤون!!!

   سؤال إلى معالي وزير الشّؤون الدينيّة :

   قد تكون عارفا عن ظهر قلب عدد كلمات القرآن الكريم، وعدد سُوره وعدد آياته، وكم من مرّة ورد فيه اسم محمد عليه صلوات اللّه وسلامه، أو كلمة القلب ... لكن هل تعرف ما هي العناصر التي يتكوّن منها الماء؟

 وهل تعرف متى نزلت الآلة الحاسوب على سطح المريخ وما هي المُهمّة المكلّفة بها من قبل أهل الأرض في النازا؟
  وهل لديك حلّ للمُعادلة الربيعية في الرياضيّات؟؟؟


ملاحظة قبل الأخيرة:
قال وزير الشؤون الدينية بمناسبة افتتاح جائزة تونس العالمية الثانية لحفظ القرآن ما يلي :

"الذي لا يتدبّر القرآن ويكتفي بحُرُوفه وكلماته إنّما هو يُخالف منهج السلف الصّالح كما أنّ قلبه يُغلقُ عن كلّ المعاني النّفسيّة والآداب الإسلاميّة والمقاصد الشّرعيّة التي حواها القرآن الكريم".

 ملاحظة أخيرة :

 من يقول بوُجود علاقة بين السلفيين وحُكومة حزب حركة النّهضة فهو كـــــــــــافـــــــــــر ويضع العصا في العجلة ويُعادي الإسلام!!!

من أروع ما سمعت اليوم:

إذا الشعب يوما أراد الحياة...  أُحبّك يا شعبُ فأنت الحيــــــاة.

lundi 13 août 2012

المرأة … أكثر من نصف المجتمع


أشهر عديدة انقطعت فيها عن الكتابة، لم أساهم في إبداء الرّأي فيما يحدث في بلادي ، وما يحدث كثير و ... غريب أحيانا!
توقّفت عن الكتابة وأقنعت النفس بحاجتي إلى "وقفة تأمّل"، إلى شيء من الابتعاد عن الأحداث والنّأي بنفسي عنها لأنظر إليها عن بُعد، من فوق الرّبوة ... لعلّ صورتها تصبحُ أوضح وأنصع وأنقى ...
ربّما كنت أُمنّي النّفس بأن تتّخذ الأحداث منحى أكثر"إيجابيّة "وأقلّ "سوداويّة"، بعد أن أخذ السواد يزحف على البلاد والعباد، يملأُ شوارعنا وفضاءاتنا التجاريّة، وغدا مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، ولما لا مستشفياتنا وإداراتنا ومؤسّساتنا الخاصّة ...!!!
تصوّروا طبيبة منقّبة في مستشفى عمومي، تُعرض عليها حالة مرضيّة يُحتّم عليها الواجب والأخلاق والضمير المهني والدّيني والأخلاقي والمُواطني فحصُها ومعالجتها لتخفيف الآلام عنها فترفُض ذلك لأنّ المريض رجُل، ذكر، ولأنّ القناعات التي غُرست في دماغها ، بعد أن تمّت عمليّة غسله، تُحتّم عليها عدم الاختلاط وعدم المصافحة وعدم الحديث مع الغرباء ومع غير المُحرمين!!!
هذا هو الوضع الذي نحن إليه سائرون.
لقد أثارني مشهد منذ بضعة أيّام،  داخل أحدى الفضاءات التجارية الكبرى،  لفتاة لا يتجاوز سنّها حسب تقديري خمس سنوات، وهي مُنقّبة... نعم مُنقّبة بينما تجاوزت درجة الحرارة خارج ذلك الفضاء يومها 45 درجة!
أعتقدُ أنّ السبب الحقيقي الذي دفعني إلى التوقّف عن الكتابة إنّما هو الشعُور بالغثيان الذي أصبح يملؤني كلّما طالعتُ أخبار الجهات، وكلّما تابعتُ نقاشات أعضاء المجلس الوطني التّأسيسي حول مسائل تسعى مجموعة "الأغلبيّة" جاهدة كلّ الجهد إلى فرضها على المجتمع، مثل قضيّة التعويضات المالية وقضيّة المساواة بين المرأة والرّجل التي عبّر عنها النّهضويّون من خلال محاولة تمريرهم للفصل 28 من مسودّة الدّستور.


ولئن كانت مسألة التّعويضات الماليّة لضحايا النظام السّابق على قدر من الأهميّة، ولي فيها قول لعلّي أُعرب عنه في مجال آخر، إلاّ أنّ الذي استفزني غاية الاستفزاز إنّما هو الفصل 28 سابق الذكر، وموقف نُوّاب حركة حزب النّهضة من المرأة وسعيهم إلى ضرب المكاسب التي تحصّل عليها نصف المجتمع التونسي منذ صدور مجلّة الأحوال الشخصية في شهر أوت 1957، والتي هدفت إلى تنظيم المجتمع وتمتين العلاقة بين أفراد الأسرة التونسيّة وتقنينها بما يجعلها أُسرة متضامنة ومتعاطفة ومتكافلة ومُتماسكة ومُتوازنة ومُتخلّصة من كثير من العُقد النفسيّة التي تدكّ بقيّة المجتمعات العربيّة التي لم يجرأ مسؤولوها الذكور إلى يوم النّاس هذا على إقرار أحد أهمّ مقاصد الدين الإسلامي الحنيف في المجال الاجتماعي ألا وهو منع تعدد الزوجات حماية للأسرة من ناحية وإكراما للمرأة من ناحية أُخرى،  ومنع إلحاق الإهانة بها بإشراك غيرها معها في رجُل واحد.
ولعلّ التمعّن فيما يحدث في المجتمعات العربيّة من انتهاكات جسديّة ومعنويّة للمرأة بسبب السماح لما يعتبر خطأ "حقّ للرجل" بالتزوّج مثنى وثلاث ورُباعا،  وحتّى عشرينا إن لزم الأمر، ولكم أن تقرؤوا سيرة بعض الصحابة في هذا الباب... ليُغنينا عن كلّ التعاليق.
وكذلك الشّأن إذا ما بحثنا في دور المرأة في المجتمعات العربيّة، وفي مساهمتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافيّة،  فإنّنا سنُصرع بسبب ضآلة تلك المساهمة، التي لا تُعتبر المرأة في الحقيقة مسؤولة عنها بالدرجة الأولى بقدر مسؤوليّة عناد ومُكابدة وأنانيّة الرجل العربيّ المُتزمّت والمُتخلّف والمُعقّد والذي لا يرى في المرأة غير جسد يحقّق له الّلّذة غير عابئ بأحاسيسها ومشاعرها ورغباتها، ولا يرى فيها كائنا طليقا جديرا بممارسة كينونته بكل مقاييس الحريّة ، وجديرا بالتعبير عن ذاته وبمساهمته في تشييد الحضارة الإنسانيّة بالقدر ذاته الذي يساهم به الرّجل، وهذا ما اهتدى إليه الفكر المستنير في تونس منذ بداية القرن المنصرم ، وأكّده رجال الفكر والسياسة وعلماء الدّين بعد الاستقلال وجسّمته النصوص التي تضمنتها مجلّة الأحوال الشخصيّة .


غير أنّ " آية اللّه " والزعيم الرّوحي ومُرشد النّهضويين وعلاّمة عصره، الشيخ راشد الغنّوشي الذي قدّم نفسه طوال الحملة الانتخابية التي سبقت انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي في أكتوبر 2011، كإسلامي مستنير ومُلتزم وديمقراطي ومؤمن بالتعدديّة ومناد بعدم التفريط في مكاسب المرأة الواردة في مجلة الأحوال الشخصيّة، لا بل المنادي بتدعيم تلك المكاسب نحو الأفضل، نراه يُهاجم في نفس الوقت المجلّة إيّاها في كتابه "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" والذي نُشر بتونس سنة 2011، والذي ورد في صفحاته 70-72 ما يلي:
"... لقد خُيّل لزعماء البلاد ... أنّنا لن ننضمّ إلى ركب المُتحضّرين الغربييّن حتّى نسير سيرتهم في مظاهر حياتهم وأبرزها وضعيّة المرأة ومساواتها بالرجل... فجاءت مجلّة الأحوال الشخصيّة لا باعتبارها مجموعة قوانين لتصحيح وضعيّة المرأة بل ثورة عارمة على المجتمع القديم  ... ممّا أصاب العلاقة بين الجنسين بتوتّر شديد وهزّ الكيان الأسري هزّا عنيفا..."


ويتصدّى الشيخ لما يميّز في نظره سلوك المرأة من استهتار وميوعة ، ويعترض بشدة على عمل المرأة خارج البيت، وعلى اختلاطها بالرجال في المدارس ودافع عن تعدد الزوجات كأنّه واجب ديني، وشجّع المرأة على الاكتفاء بالحد الأدنى من التعليم متشددا على التضييق على علاقات الرجال بالنساء إلى أبعد الحدود حتّى مع زُملاء الدراسة ولو كانوا إسلاميين، وتجنّب الخلوة والتزام الجد في الحديث، بل بلغ الأمر إلى رفض كلّ علاقة بين النساء والرجال "عدا علاقة القرابة والزواج"، هذا على الأقلّ في المرحلة الأولى للدعوة التي مارسها أعضاء التيّار الإسلامي في تونس منذ سبعينات القرن الماضي.
وهذا في الواقع نموذج من النماذج العديدة لازدواجية الخطاب عند النهضويّين، تلك الازدواجية التي صاحبت مواقفهم وتصريحاتهم في تونس وخارجها.
والغريب أن تُصادق عضوات المجلس التّأسيسي، من ممثّلات حزب حركة النّهضة ودون إعمال للعقل ودون تبصّر، وبكلّ"حسن نيّة" حتّى لا يقول البعض بكلّ غباء وكلّ حماقة، على ما تمخّض عن لجنة الحقوق والحريّات حول مسألة "المساواة" بين الجنسين، وهو الفصل 28 من مسودة الدستور، وهو لعمري فصل يكرّس اللامساواة ويُؤشّر على رغبة دفينة في كتابة دستور على مقاس النهضة، لا كتابة دستور مُعبّر على رغبات جميع التونسيين.


إنّ نائبات حزب حركة النهضة رهنن مصيرهنّ ومستقبلهنّ بيد الرجل النّهضوي الذي يعتبرهنّ "مكمّلات" له ولا يعترف بهنّ وبدورهنّ "المُكمّل له" إلاّ في إطار مُؤسسة الزواج، ورهنن مستقبل بناتهنّ وقتلن فيهنّ الرّغبة في العيش بحريّة، وحرمنهنّ من حقّهنّ في ممارسة حريّة تنادي بها كلّ الأديان والشرائع والدساتير، وجنين عليهنّ عن غير وعي.
ولكنّ أنى لهنّ أن يتصرّفن تصرّفا مُغايرا وقد رُشّحن للعضويّة في المجلس التّأسيسي لأنّ القانون الانتخابي ينصّ على المناصفة، فقُدمن على هذا الأساس كديكور يملئ به الفراغ، لا على أساس الاعتراف بدورهنّ المركزي في المُجتمع، فهُنّ انتُخبن إذا على أساس الولاء للحزب وطاعة القيادة الرشيدة، وعلى قدر طاعتهنّ ستُكافأن كما أشارت إلى ذلك الأستاذة آمال القرامي.
وهنا يُطرحُ سؤالان : أين هو الفصل 28 من الخطاب الذي ورد في وثائق مبادرة 18 أكتوبر، والتي كانت حركة النهضة شريكا فاعلا فيها؟
وما هي الاحتمالات التي يفتحُ بابها الفصل 28 من مسودة الدستور والمتعلّقة بالمسّ من مكاسب المرأة الواردة في مجلّة الأحوال الشخصيّة؟.
لقد ملّ التونسيّون فتح جبهات هم في غنى عنها ويعتبرون الخوض فيها من باب إضاعة الوقت والمماطلة.
لقد ملّوا إثارة قضايا أصبحت غير مواكبة للتاريخ وتجاوزتها الأحداث ولم يعد ما يدعو إلى الخوض في غمارها مثل تطبيق الشريعة والفصل الأوّل من الدستور وتأسيس الخلافة ومساواة المرأة بالرجل...
 لقد خرج التونسيّون يوم 14 جانفي 2011 فرادى وجماعات ودمّروا جدار الخوف الذي كبّلهم قرونا طويلة وواجهوا عنجهيّة الكلاب الضالة بصدور عارية يملؤها الإيمان بحتميّة كتابة تاريخ جديد جدير بالإنسان التونسي العابر للأزمان وللحدود والضاربة جذوره في أعماق الحضارة الإنسانيّة، خرجوا بتلقائيّة وبدون تأطير لا من حركة النهضة ولا من غيرها من الأحزاب التي حجّمها وقزّمها النظام المنهار، وأزاحوا نظاما فاسدا ملأ الفضاء  برائحته العفنة ، وخرجوا بتلقائيّة يوم 23 أكتوبر ليدلوا بأصواتهم بكلّ حريّة مسؤولة لاختيار أعضاء المجلس الوطني التأسيسي لصياغة دستور كان حزب حركة النهضة التي منحته الثورة أحقيّة التواجد على الساحة السياسية، من أبرز المنادين به، وهو الحزب الذي لم يلاحظ أحد وُجود  مُلتح واحد يُمثّله  يوم 14 أمام مبنى وزارة الداخليّة أين نادى المتظاهرون بسقوط نظام كان النهضويّون إلى آخر لحظة يهادنونه ويتلمّسون السبيل إلى التعامل معه.
 ولم يجل بخلد التونسيين أن يقضي أعضاء المجلس التّأسيسي شهورا عدة في مناقشة الفصل الأوّل من الدستور قبل أن يحصُل توافق على الفصل الأوّل من دستور 1959!!!
إنّ التونسي في حاجة اليوم إلى صياغة دستور أكثر ارتقاء من دستور 1959 وأكثر وضوحا ولا مكان فيه للالتباس وللصيغ الفضفاضة القابلة للتأويل في شتّى الاتجاهات.
إنّ التونسي في حاجة ماسة إلى دستور ينُصّ بوضوح تام على حقوق وواجبات المُواطنين ، ويكون صالحا للأجيال القادمة ، ومُقاما على أسس الحريّة والعدالة والمساواة والتسامح، لا دستوري يندد بالاختلاف ويفرض نمط عيش مُعيّن ويُكرّس دونيّة المرأة التي قال فيها باب مدينة العلم ورابع الخلفاء الرّاشدين ، علي بن أبي طالب ، أنّها " نصف المجتمع والنصف الآخر يتربّى بين أحضانها".
هل بتكريس دونيّتها نكافئ المرأة؟
وهل بتهميشها اجتماعيّا نعترف بدورها العظيم، وهي التي حملتنا في بطنها، ووضعتنا في هذه الدنيا، وأرضعتنا، وربّتنا على الفضيلة، ودرّبتنا على اكتساب قيم الصّدق والمحبّة والاستقامة واحترام الآخر ، قبل أن تدفع بنا خارج جدران البيت لنستكمل بناء شخصيّاتنا ونكتسب العلم والمعرفة بين الكتاتيب والمدارس والمعاهد والجامعات ومراكز العمل لنُصبح بشرا أسوياء ومُواطنين صالحين للبلاد وللعباد.
 إنّي لا أرضى الدونيّة لمن منحتني الحياة ووهبتني من رحيقها العبق أوّل جرعة لأتغذى، وغرستني في تربة الفضيلة الثريّة، وعلّمتني أن حبّ الوطن من الإيمان.
لا أرضى الدونيّة لأخت هي توأم روحي وعوّضني صدرها الحنُون حنان الأم التي فقدتُ.
لا أرضى الدونيّة لزوجة غمرتني دفئا وعطفا ووهبتني إبنين هما أثمن ما في وجودي.
لا أرضى الدونيّة لبنت أرى من خلالها استمرارا للحياة والعطاء والتّضحية والمكابدة والعناد والاستعداد لتنشئة جيل مسؤول.
هذه هي المرأة في رأيي . فهل يمكن أن يكون هذا الكائن في مرتبة دون مرتبة الرّجل؟
وهل تُطرح مسألة المساواة بين المرأة والرّجل أصلا؟
إنّ الرّأي عندي أن من يطرحُ هذه القضيّة لا يحُقّ له الارتقاء إلى مرتبة الآدمي الذي فضّله اللّه على سائر المخلوقات.

مُتمّمات:
1) في إحدى خُطب الجُمعة بجامع الغفران بالعمران، في شهر ماي 2012، تحدث الإمام عن قضيّة المساواة بين الرجل والمرأة، وأشار إلى موقف جمعيّة النساء الديمقراطيّات المتمسّكة بإقرار مبدأ المساواة والتنصيص عليه في الدستور، وعلّق على ذلك قائلا بالحرف الواحد:" يكسّروا روسهم النساء الديمقراطيات ما فمّاش مساواة!!!"

2) أمضت تونس سنة 1974 على عديد المعاهدات والمواثيق الدوليّة والإقليميّة التي تُجرّم بيع وذبح السلاحف البحريّة ، غير أنّ نوّاب حزب حركة النّهضة في المجلس التّأسيسي يستعدّون لذبح المرأة !!!

3) من أجمل ما قرأت للتونسييّن في المرأة ما كتبه الشّاعران:

محمد الصغيّر أولاد أحمد يقول:
 كتبتُ، كتبتُ: فلم يبق حرف.
وصفتُ، وصفتُ: فلم يبق وصف.
أقول،  إذا، باختصار وأمضي: نساء بلادي نساء: ونصف.

أما أحمد حاذق العرف فقد كتب ما يلي :

يا نساء تونس سليلات القرنفل والنرجس والجلنار...
يا نساء تونس ، سليلات اللّؤلؤ والزبرجد والمحار...
عندنا الآن من النساء ثلاث المحجبات والمنقبات والسافرات 
يا نساء تونس!
متجهمات، عابسات، مكفهرات، قانطات، كاضمات غيضهن، كاتمات رضوضهن، كذا هن نائبات "النهضة" في البرلمان.
ماذا تنتظرن منهن؟ وهن اللاتي استبطن تعاليم الذي " رضي اللّه عنه" وارتضين الدونية منهج حياة، والكراهية والعداء لبنات جنسهن أسلوب عيش وتعايش، وسلمن بأنهن نواقص إيمان، نواقص عقول، نواقص حظوظ، موعودات للضرب والهجر في المضاجع حين لا ينال الأزواج ما يشاؤون حين يشاؤون.
ماذا تنتظرن منهن نصرة للنساء؟
ماذا تنتظرن؟
يا نساء تونس!
ها أن فيلقا آخر قد التحق بالركب فيلق غريب عن هذه البلاد وأهله!
إنهن المنقبات القادمات من غابر الأزمنة وحجريّ
العصور، وقد فررن من الدنيا، وارتدين
جلابيب الحداد وتشبهن بهيئة الغربان، تخلين عن أجسادهن،
وتنكرن لأنوثتهن.خائفات من وهج الشمس وملح البحر غير
آبهات بالقيظ ووعثاء الطريق سائرات على خطى مهندسي
 الموت، يجبن مقابر أزواجهن بعطر ثقيل ورائحة تيس هائج
مطمئنات على أنهن سيكن هناك حوريات هناك حيث القضيب الذي لا ينثني، والفرج الذي لا يحفى.
المنقبات، ماذا تنتظرن منهن؟
ماذا تنتظرن غير المكر والخداع؟
يا نساء تونس!
السافرات بلا وجل، الكاشفات عن وجوه تعيد الصباح
 للصباح، الباحثات عن فرادة صوتهن في صوتهن، الخارجات
عن النواميس والقواميس، الطالبات مهرا مطلق المساواة،
الساعيات إلى المقام الأرفع، المشرئبّات إلى السماء، يا نصف
السماوات، الملغيات لتعاليم الذي" رضي اللّه عنه " الزّائغات
عن سبيل مرضاته، المقضات لمضاجع مريداه.والشيخ قال
" اعرفهن عاهرات، مشاغبات، لكنّا سنعيدهن إلى الحضيرة وحيز الحريم، إماء عندنا وجواري، ونحرر من سطوتهن الرجال".
يا نساء تونس!
سليلات النجوم والشموس والأقمار
هذا العيد عيدكن فليكن وقودا للثورة القادمة. 

dimanche 4 mars 2012

دعوة الصّادق شورو إلى التقتيل والصّلب والتّقطيع والنّفي - الجزء الأخير


 III قضية الحسبة

في بداية الثمانينات أنجزت بحثا جامعيا لنيل شهادة الكفاءة في البحث تعرضت فيه إلى مسألة الحسبة في أسواق القيروان في القرن الثالث للهجرة / التاسع للميلاد، جاء فيه ما يلي:
" اعتمدت- أسواق القيروان- في تنظيماتها على أحكام السوق التي كانت تخضع لأصول الفقه الإسلامي. وقد كلف المحتسب بالسهر على إحترام هذه الأحكام وكانت مهمته على غاية من الدقة وهي توازي في التشريع الإسلامي كلمة" المصلحة العامة" في التشريع العصري، ذلك أن مفهوم الحسبة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإصلاح بين الناس"،  

كما يقول عبد الرحمان بن نصر الشيزري في كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، القاهرة 1946،صفحة 6،" أي أنه يشترط في المحتسب أن يكون فقيها، عالما بأحكام الشريعة ، ليعلم ما يأمر به وينهى عنه، كما يشترط فيه أن يكون عفيفا عن أموال الناس، متورعا عن قبول الهدية من المتعيشين وأرباب الصناعات، فإن ذلك رشوة ... لأن التعفف عن ذلك أصونُ لعرضه وأقومُ لهببته".

وكان سحنون قاضيا محتسبا بالقيروان، وباشر بنفسه الكثير مما تتطلبه وظيفة المحتسب، فأدب على الغش ونفى مرتكبيه، كما عين أمناء في البادية يكتب إليهم فيما يتعلق بشؤون جهاتهم.
أما المفكر محمد الطالبي فقد كتب في "عيال الله"، تونس 1992، صفحة 75- 76 ما يلي:

"إنّ الحسبة ككل الوظائف قد استُغلّت بصُور شتّى، تارة للخير وتارة للشرّ وتارة أخرى كوسيلة للارتقاء إلى الحكم وممارسة النّفوذ... فهي (الحسبة) قد وقع إذا تصنيفها واستغلالُها وتوظيفُها في التاريخ بطرُق شتّى تجعلها تارة عامل خير، وأطوارا وسيلة من وسائل القهر والضغط أو الارتقاء إلى السلطة... وعندما انتهت الوظيفة لا أعتقد أنّه وقع شغور في الفضاء السياسي، أو أنّه ليس هناك من يهتمّ بالأخلاق، فكلّ القوانين في الكون تهتم بالمحافظة على قدر أدنى من صلات مستقيمة بين المواطنين بإسناد الصلاحيّات إلى المصالح  المختصّة، مثل الشرطة والعدالة ... إذا الحسبة إنّما هي دولاب من دواليب الدّولة قد يأخذ أشكالا وأساليب مختلفة حسب الزمان والمكان والضّرورة."

إنّ القلق الذي يساورني نابع من دعوة الشقّ المتشدد من حزب حركة النهضة إلى إعادة إحياء منظومات استغلت في غير ما وُضعت له، من قبل الأنظمة الإسلاميّة المتعاقبة التي راكمت السلبيّات أكثر من مراكمتها الإيجابيّات ممّا دفع القيادات السياسيّة في بلادنا إلى التخلّي عن التنظيمات القديمة، وذلك منذ الاستقلال، وتبنّي تنظيمات أثبت التعامل بمُقتضاها نجاعتها الوظيفيّة، وهي تقريبا التنظيمات التي دعا إلى اعتمادها مصلحو القرن التاسع عشر في تونس، في مقدمتهم خير الدين باشا التونسي، الذي وضع شرط عدم تضارب تلك التنظيمات مع الشريعة الإسلاميّة شرطا لايمكن تجاوزه وأكّد على ذلك في كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك.

إن دعوة القيادي النهضوي الصادق شورو إلى تطبيق الشريعة، وتركيز أجهزة موازية لأجهزة الدولة الرسميّة، تكون هيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من أهمّ مكوّناتها، وهي الهيئة التي يسعى النّهضويّون اليوم إلى بعثها للوجود، والتي بدأ نشاطها يلفت الانتباه، بتصدّيها لقرار تعيين المدير الجديدة لإذاعة الزيتونة،الدكتورة إقبال الغربي، إنّما هي دعوة لإعادة إنتاج ممارسات تاريخيّة خلنا أنّ الزمن قد تجاوزها.



وما يثيرني أن الصادق شورو استشهد في المجلس الوطني التّأسيسي بآيات قرآنيّة أُخرجت من سياقها، تدعو إلى التقتيل والصّلب والتقطيع والنّفي، كما أشار إلى ذلك الشاعر منصف الوهايبي في مقال بيوميّة "المغرب"، حول السياق الذي نزلت فيه الآية وهو التالي:
جاء في صحيح مسلم في باب حكم المحاربين المرتدّين :

حدثنا يحي بن يحي التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن هشيم، واللّفظ ليحي،قال أخبرنا هشيم عن عبد العزيز بن صهيب وحميد عن أنس بن مالك أنّ أناسا من عرينة (قبيلة) قد مرّا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم المدينة فاجتووها (لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم، وهو مشتق من الجوى: داء في الجوف) فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها .ففعلوا فصحّوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود (إبل) رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلّم فبعث في أثرهم.فأُوتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمّل أعيُنهُم فقأها وأذهب ما فيها° وتركهم في الحُرّة حتّى ماتوا.

وتحدث القرطبي عن ذات السياق، وكذلك الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير وقدّم تفسيرا للسياق نزلت فيه الآية الخامسة من سورة المائدة يوافق تفسير البخاري الذي ورد في صحيحه، طبعة دار الجيل، بيروت2005، صفحة 908، فيما يتعلّق بالحديث عدد 4610، من كتاب التفسير، سورة المائدة.

إنّ الآية التي استدل بها الصادق شورو هي نموذج لخروج الآيات في أحيان كثيرة عن سياقها الذي أُنزلت فيه، وبترها عن من بقيّة الآيات المُتّصلة بها والمُتمّمة للمقاصد التي أراد اللّه تبليغها للأمّة، فتتحوّلُ بذلك من كلام أوحى به اللّه إلى رسوله الأكرم في سياق معيّن ولأسباب نزول معلومة، لتُصبح أداة توظّفُ لغايات شخصيّة. وهل يوجد من بيننا من لا يعرف مثال " ويل للمصلّين "؟
إنّ أغلب الذين يستنجدون في أحاديثهم مع الآخرين بآيات قرآنيّة يدعمون بها مواقفهم، إنّما يعبّرون في الحقيقة ، من خلال كلام اللّه، عن مواقفهم هم، وعن آرائهم، وعن مبادئهم التي يؤمنون بها، وما كلام اللّه الذي يستشهدون به إلاّ آلة وُظّفت لإكساء مواقفهم غطاء إيمانيّا للتأثير على من يخاطبون.
هنا يستحضرني حوار دار بين شخصين، أحدهما لا يتوقّف عن مقارعة الخمر سرّا وعلانيّة، والآخر ملتزم بتعاليم الدّين، لا يدخّن ولا يتناول المسكرات قناعة منه بأنّها " رجس من أعمال الشيطان "، نهاه ربّه عن الاقتراب منها.
خاطب الثاني صاحبه يوما فقال له:
- ألم يحن الوقت بعدُ لتُقلع عن هذا الصنيع المُشين الذي لازمك سنينا طويلة؟
أجاب الأوّل:
- وما الضّرر في ذلك؟
- فأردف الثاني :
- ألا تخشى عقاب اللّه؟
فأجابه الأوّل بقوله:
- إنّ اللّه غفور رحيم.
فأتم الثاني الآية وقال:
- شديد العقاب، ولم يتمكّن من إتمام الآية لأنّ الأوّل أسرع قائلا:
- إنّه شديد العقاب، هذا صحيح، لكن على الكافرين، وأنا لم أكفر يوما باللّه، ولا برسله ولا بكتبه وملائكته وقضائه وقدره واليوم الآخر، فأنا يا أخي مسلم وابن مسلم وأشهد أن لا إلاه إلاّ اللّه وأن محمدا عبده ورسوله وهو خاتم الأنبياء والرّسل، وهذه الشهادة لا تفارق شفتيّ في صحوتي. واعلم أنيّ لم أحتس يوما " المعصية " قبل أن أكون قد بسملتُ!!!
بقى الثاني مشدوها متعجّبا من هذا الذي يجد تبريرا لصنيعه اعتمادا على مقتطفات من آيات قرآنيّة أخرجها من سياقها الذي فيه أنزلت.

كذلك الشّأن بالنسبة للآية التي استشهد بها الصادق شورو، والتي نزلت فيمن إرتد عن الإسلام ، بينما الذين يعنيهم هم أولئك الذين قطعوا الطرق ونظّموا الإعنصامات وعطّلوا جهاز الإنتاج الاقتصادي. إنّهم ليسوا من المرتدّين في شيء، بل غاية ما في الأمر أنّهم طالبوا بالتشغيل الذي وعدهم به حزب حركة النهضة في برنامجه ذي النقاط ال 365 !!!
إنهم يعارضون جماعة النهضة ويختلفون معهم في  مقاربتهم لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتي لم يشرعوا فيها ، وقد تولوا  حكم البلاد منذ حوالي شهرين!!!
إن هذا الاختلاف لا يمكن أن يفضي إلى خلاف يحتم التقتيل والصّلب والتّقطيع والنّفي. بل لا بد أن يكون الاختلاف في رأيي حافزا على مزيد تعميق وتوضيح الرؤية والاجتهاد أكثر للبحث عن الحلول الناجعة للإشكالات المطروحة. إنّ الاختلاف يضعنا في موقع المُستفزّ لغاية لإرباكنا، لذا علينا أن نكون أكثر تركيزا وأكثر عقلانيّة وتبصّرا، لا أن نسبح في ظلمات حدودها مسلّمات وأفكار منغلقة ترفض النّقد والجدال والحوار، ولا ترى كحقيقة غير الحقيقة المتشبّثة بها .

علينا كمؤمنين، قبلنا أن نحمل رسالة اللّه، أن نكون متيقّظي الفكر لنتحسّس كل التيارات الخفيّة، ولنستوعب بفكرنا الكون بكلّ تشعّباته وبكلّ التيّارات التي تحرّكه، فكريّة واقتصادية ونفسية وثقافيّة ونفسانيّة، وبكلّ تحوّلاته.
ليس على المسلم أن يتكلّم باسم الإسلام، أو أن ينسب لنفسه ضمنيّا العصمة، ويعتبر نفسه القادر الوحيد على الفهم الحقّ، وأنّ غيره مهما كان فهو على خطأ.

لقد روي عن الإمام مالك قوله وهو يشير إلى قبر سيّد الأنام:" كلّكم على خطأ إلاّ صاحب هذا القبر"! يا له من قول بليغ يرمز إلى التواضع وإلى احتمال أن يكون المؤمن مجانبا للصواب، لذا عليه ألاّ يدعي امتلاك الحقيقة، إنّه قول يعكس تماما  قول الّه:" ما أوتيت من العلم إلاّ قليلا".
إنّه لا متكلّم باسم اللّه غير اللّه تعالى الذي بلّغ كلامه لمحمد وحيا بواسطة الملائكة جبرائيل، لذا ليس لأيّ مخلوق أن ينصّب نفسه مكان اللّه، و أن يصادر الإسلام فيسقط بذلك في الشرك باللّه، والشرك أكبر الكبائر.
وليس من المنطق ولا من الموضوعيّة في شيء أن يتعامل المرء مع النصّ القرآني بانغلاق، وأن يرى نفسه امتدادا لمنظومة فكريّة موروثة وُلدت من رحم رؤية خاصّة بين القرنين الثالث والرابع للهجرة، وبقيت متحجّرة ومتكلّسة رافضة للحراك التاريخي.
ولئن يرى من تمسّك بتلك المنظومة أنّهم على حقّ، فإنّه ليس من حقّهم أن يرفضوا طريقة تعامل غيرهم مع النصّ القرآني وأن يكفّروهم ويجرّمُوهم ويطالبوا بإقامة الحد في شأنهم، قتلا وصلبا وقطعا ونفيا. بل عليهم أن يسلّموا بحريّة الآخر وبحقّه في التمسّك بالديمقراطيّة، التي إذا نظرنا لها بفكر منفتح لوجدنا أنها ليست سوى الشورى التي ينادي بها السلفيّون، لكن شورى متأقلمة مع مقتضيات الزمان والمكان كما يقول الأستاذ محمد الطالبي.

إنّ الإنسان الذي قبل ما لم تقبله السماوات والأرض والجبال، و" أشفقن منه "، وهو حمل الأمانة، وتقبّل الوظيفة التي كلّفه بها اللّه، قبلها عن طواعية، برغبة نابعة من اختيار حرّ، هو تكريس للحريّة الذاتية، وكان باستطاعته الرّفض، والرفض أيضا اختيار حرّ، لعلّه أراد أن يعطي لحياته معنى وأن يجعلها جديرة بأن تحيى، وذلك  بأن حدد لها هدفا نبيلا. وهل للحياة لذة ومعنى بدون هدف نبيل؟؟؟
ولعلّ هنا تكمن في رأيي الإجابة على ذلك السؤال الحارق،  والذي سيبقى مطروحا إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وهو هل أنّ الإنسان مسيّر أو مخيّر؟
إنّ الإنسان جدير بان يمارس حريّته في شتّى المجالات، و أن تحترم ممارسته تلك، وألاّ تُملى عليه اختيارات لا تفصل بين الديني والزمني، لأنّه ثبت تاريخيّا أنّه كلّما اقترن الدّين بالسياسة إلاّ وأصبح الخطر يطرق الأبواب ويهدد الأمن والطمأنينة بانتصاب " محاكم التفتيش ".
هذا ما نستنتجه من تصفّحنا لدفاتر تاريخ الإنسانيّة، منذ العهد الفرعوني وصولا إلى حرب الاسترجاع والحروب التي من بعدها. وليست حرب " التحالف الديمقراطي " ضد العراق، والتي قادتها الولايات المتحدة الأمريكيّة، آخر تلك الحروب، تلك الحرب التي سمّاها  الرئيس الأمريكي بوش الصغير، " حربا صليبيّة " قبل أن يعلن البيت ألبيض أنه أُسيء فهم العبارة!!!
إنّ الملفت أن المخاض الذي تعيشه بلادنا اليوم، أعسر ممّا كنّا نتوقّع، وأكثر تشعّبا ممّا كان يجول بخاطر أكثرنا تشاؤما بسبب ما عرفته الأحداث من إنزلاقات وما ميّز مردود الحكومة من عجز عن اتخاذ المبادرات الحاسمة لافتقاد أعضائها للخبرة والكفاءة السياسيّة، ممّا ولّد تخوّف الكثيرين على مصير الثورة. وتبقى أكثر الإنزلاقات خطورة إلى حد الآن التدخّل المفاجئ الذي ورد على لسان أحد قيادي حركة النّهضة، الصادق شورو!!!