Affichage des articles dont le libellé est #Talbi. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est #Talbi. Afficher tous les articles

vendredi 31 juillet 2020

بين الحاكميّة للّه وتطبيق الشريعة - الجزء الأول

                      

   أمّا اليقين فلا يقينَ وانّما     أقصى اجتهادي أن أظنّ وأحدُسا

أبو العلاء المعرّي

"الموضوعية المطلقة مستحيلة، وكل من يدّعيها مغرور أو  مُغَرّر به"

محمد الطالبي      

 

        

   اهتزّ العالم بين 1914 و 1918 على إيقاعات حرب عالمية الاولى من نوعها.كانت حربا فريدة بالنظر لما تسببت فيه من خسائر لحقت الحضارة الانسانيّة، فضلا عن الخسائر البشريّة والإقتصادية غير المسبوقة.

امتدت الحرب على أكثر من 1500 يوم وأفرزت تغييرات استراتيجية وجغراسياسيّة ونفسانيّة وانتهت بوضع خمس معاهدات سلم أبرِمت بين الذين خرجوا يجرّون أذيال الهزيمة المُرّة، مُثقلين بما شهدته بلدانُهم من خراب ودمار للبنى التحتيّة وللهياكل الإقتصاديّة، وبين الذين توهّموا النصر مزهوّين بما حقّقوه رغم أنهم لم يُسجّلوا خسائر أقل حجما ونوعية من تلك التي سجّلها أعداؤهم،  و قد تطلّبت عمليّة تجاوزها  من الجانبين عديد العقود الزمنيّة.

 كان لهذه الحرب تأثيرات جد عميقة على عرب ومُسلمي المشرق والمغرب  الإسلامين لما خلّفها من بُعد نفساني وروحي، وشعور بالغُينِ واليُتمِ بسبب ما أقدم عليه أبو الأتراك مصطفى كمال من إلغاء للخلافة العثمانيّة يوم 3 مارس 1924.

 كان لهذا القرار وقع الزلزال المدمّر في أعماق كل مؤمن ومتثبّث تثبثا وثيقا بنظام " الحكم الخلافي"، وولّد حركات إرتداديّة تجسّمت في بروز تيّارين ينشُد كل منهما الخلافة، لكن لكل منهما طريقته للوصول إليها ولإعادة تركيزها.

 مثّل التيار الأوّل العائلات المُتنفّذة في المشرق العربيـي، المُعتبِرة نفسها وريثة لحكم الخلافة، وامتد أفقيّا وعموديّا بين قارتي آسيا وشمال افريقيا.

 أما التيار الثاني فمثّلته مجموعة قامت تطالبُ بإعادة" النظام الخلافي" وتميّز بعض قادتها بطمع لا محدود في أن يكون أحدها هو الخليفة المنتظر،  في مُحاولة مزجت الدين بالسياسة مزجا غلب فيه الجانب الثاني على الأوّل، وتعزّزت  برفع شعارات مغرية للسواد الأعظم من المسلمين أبرزُها "الحاكمية لله وحده ولا حاكميّة للبشر" ووجوب "تطبيق الشريعة".  




الحاكميّة لله

 رُفِعَ هذا الشعار لترويج فكرة إقامة حكومة دينية وإرساء نظام إسلامي والمطالبة بالجهاد لضمّ دار الحرب إلى دار السلم،  وتأسيس وطن واسع يشمل كل مسلمي الأرض ، دون اعتبار للحدود الإقليميّة التي رسمها المُستعمِر، وفيه تُطبّقُ الشريعة الإسلاميّة وما يُصاحبُها من فرض الجزية على أهل الذمّة.وإذا لم يتحقق ذلك فانّ جموع المسلمين تبقى مُتخبّطة في الجهل والكُفرِ بالله.

 ومن هذا الشعار الفضفاض تولّد شعار آخر وهو شعار"الإسلام هو الحلّ"، إنتماءا واعتناقا، بمعنى أن لا جنسيّة غير الجنسية الإسلاميّة ولا ولاء للوطن وإنما الولاء للجماعة الإسلاميّة.

 شعار يدعو إلى إرساء ثوابت جديدة تحدد مفهوم الهويّة، لا مكان فيها للوطن ولا لرايته الرمز التي يعتبرها البعض "مجرد خرقة" لا معنى لها ما لم تكن راية سوداء اللون ومكتوب عليها بأحرف غليظة عبارة لا الاه الا الله محمد رسول الله،  وتُقرأ من الأسفل إلى الأعلى.

 حكومة دينيّة، الحاكمية لله، نظام إسلامي، إرساء الخلافة الإسلاميّة ... شعارات واسعة المعاني، تفتقد للدقّة التي يتطلبها استعمال المصطلحات، و تُؤثّثُ بحملات دعائيّة فتكون بذلك أقرب إلى الشعارات الهُلاميّة منها إلى الشعارات القابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

 شعارات لا تصمد أمام الجدال العقلي والنقد الموضوعي.انها مجرد عملية دعائية تهدف إلى تشكيل عقل المسلم المنزوع من أسلحة النقد، بشكل يجعله يستهلك عن "طواعيّة" ما يُروّجُ له ضمن أعمال لوجستية مدروسة وتتكون من نصب للخيام في الاماكن الاستراتيجية، وتنظيم اجتماعات عامة ومؤتمرات وندوات "علمية" وتوزيع مطويات لتعبئة  ولتجنيد أكثر ما يمكن من المريدين.

 شعارات تنزل بالاسلام إلى معترك الحياة، تُسيّسُهُ وتُديّنُ الحياة اليومية للمواطن المسلم.   

 شعارات لا تُقدّم أجوبة واضحة المعالم ومُقنعة ومنطقيّة لعديد الاشكالات المطروحة وذات العلاقة بحياة المسلم في القرن الواحد والعشرين.

 وهي شعارات لا تقدم لنا النموذج الأمثل لحكومة"النظام الاسلامي" المُكرّس لحاكميّة الله.

 فهل هي حكومة فقهاء ومُفسّرين ومحدّثين، يتمتّعونَ بحصانة سرعان ما تتحوّلُ إلى "قُدُسِيّة"، ومن ضمن وظائفها تكفير كل المعارضين لسياستها بعد اتهامهم بالفسقِ والزندقة والمُروق عن الجماعة وحتى اتهامهم بالردة إن لزم الأمر، مما يستوجب إقامة الحدود عليهم من قطع وبتر للأعضاء من خلاف، واتهام كل من يدعو إلى الإصلاح بالفساد في الأرض؟

 أم هي حكومة تؤمن بتجديد الروح الإسلاميّة، وترى من أوكد واجباتها تحديث عقل المسلم.لها وعي شديد بالماضي كمرجع روحي دون الذوبان فيه، تتعايشُ مع الحاضر وتتأقلم مع مُستجدّاته، ترنو إلى مستقبل نيّر وتسعى جاهدة إلى إسعاد مواطنيها .تنفتح على العلوم العقليّة الصحيحة والدقيقة، تُساهم في تطويرها بالاستثمار في الذكاء الإصطناعي وبدفع الناشئة للبحث فيه ليتحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع المعرفة ، يُساهم في انتاج المعرفة ولا يقتصر دوره على استهلاك ثمارها؟

 وهل هي حكومة لها مقدار من الجرأة لتتخلّى عن أسلمة السياسة لأنّ السياسة دنيئة الأساليب في إدارة الشأن العام، انتهازيّة ووصوليّة، تنجذبُ إلى عقد تحالفات لا منطقيّة لتضمن تموقعا جيّدا يفرضه تغليب السياسة على الدينِ؟

 بمعنى آخرهل تضطرّ " حكومة الإسلام السياسي" إلى مباشرة"الأمر" بالتدنيّات السياسية والتلاعبات الحزبيّة والمُحاصصات المقيتة والتوافقات المغشوشة بين أيديولوجيّات مُتنافِرة؟

 أم تراها تبذُلُ أقصى جهدها الروحي والعقلي للنهوض بالشعبِ وجعله شعبا يُؤمِنُ بقيم الحريّة ويتثبّث بكل حقوق الإنسان الكونيّة بما في ذلك المساواة بين الجنسينِ في كل المجالاتِ، ويُمارِسُ قيم العطاء والإخاء والتسامُحِ والتطوّع والصّدقِ في القول والتفاني في البذلِ في مراكز العمل، ويكرّسُ كل المبادىء المُنضويةِ تحت مفهوم المُواطنة ؟

 وهل تؤمن حكومة "النظام الخلافي" بحريّة  ضمير الفرد وبحريّة اختياره لمن يقوم بإدارة الشؤون الوطنيّة بواسطة إنتخابات حرّة وشفافة وديمقراطيّة؟

 بل لعلّها تُفضّلُ أسلوب التعيينِ والتزكية لمن والاها ايديولوجيّا دون اعتبار لمقدار الكفاءة فيه تطبيقا لمبدأ "التمكين"؟

 ثم هل هي من المؤمنين بالولاء للوطن أم تراه مظهرا من مظاهر الجاهليّة لأن الولاء الصحيح في رأيها يكونُ بلا معنى ما لم يكن للجماعة، جماعة المسلمين؟


  إنّ شعار الحاكميّة في رأيي شعار مُظلّل، ولعلّه من المفيد تنزيله في السياقين الزمني والمكاني الذي وُلد فيه لإدراك أبعاده الحقيقيّة.

فمتى ظهر لأوّل مرّة في التاريخ الإسلامي؟


jeudi 4 août 2011

حزب النهضة "يسرق" الثورة من شبابها

لا أحد اليوم بإمكانه أن ينسب لنفسه دور البطولة الثوريّة في تونس، باستثناء الشعب وفي مقدمته فئة الشباب.

 

إنّ أخطر ما يهدد ثورة 14 جانفي 2011، سرقتها والالتفاف عليها من قبل أطراف سياسيّة لم تكن لها مشاركة تذكر، بشكل مباشر أو غير مباشر فيها، بل منها ما كان يتقرّب للسلطة الحاكمة ويطلب ودّها، ويعتبر أن ابن علي حاميه في الأرض واللّه حاميه في السماء!
إنّ الشعارات التي رفعها الشباب المنادي بحتميّة التخلّص من ابن علي وزبانيته لم يكن لها مدلول دينيّ ولو كان إيحاء حتّى. بل كانت شعارات تطالب بكرامة شعب، أمعن في الدوس عليها رأس نظام فاسد، فاقد لأدنى بذرة وطنيّة، ولم يسكنه يوما شعور بالواجب الذي تمليه عليه وظيفة قيادة البلاد، بل لم يكن يجول في خاطره غير استنباط أخبث الحيل للاستيلاء على أملاك الدولة، وتحويلها إلى ممتلكات خاصّة توزّع لاحقا بأبخس الأثمان على الأقارب والأصهار(وما أكثرهم)، وعلى كلّ من ارتبط بالعائلة الحاكمة، وكلّ من ترجى من تقرّبه مصلحة ما، إلى حد أصبحنا معه نتساءل كيف أمكن لعائلة المخلوع وأفراد بطانته، الاستيلاء على هذا الكم الهائل من الممتلكات العقاريّة والشركات والمؤسّسات الماليّة والخدميّة بمختلف أشكالها، وكم بذل المستشارون من الجهد واستنبطوا من الحيل لتسهيل عمليّات الاستيلاء تلك، حسب القانون الذي أعدّ سلفا لإضفاء الشرعيّة على تلك العمليّات. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أصبحنا نحمد اللّه صباحا مساء على أنّ الحكم النوفمبري لم يدم أكثر ممّا دام، وإلاّ لكان استنفذ كل ما في البلاد، ولم يعد لأيّ من العشر ملايين تونسي ونيّف من يملك " نصبة دخان " حتّى، ولألتفت بعدها إلى البلدين اللّيبي والجزائري المجاورين، يبحث فيهما عمّا يبيع أو يرتهن !
من أجل كلّ هذا قرّر التونسيّون الوقوف في وجه الطغيان، والثورة ضدّ الظلم والقهر واستباحة ممتلكاتهم من قبل طغمة لا أخلاق لها، وتروى عن أفعالها الدنيئة القصص المتنوعة يوميّا، إلى حد أن الواحد منّا لم يعد قادرا على استيعاب ما يروى له من حكايات تجاوزت أحيانا حدود الخيال.
ومن أجل كلّ هذا لم يكن للشعارات ذات المدلول الديني أيّ مكان في تحرّكات الجماهير الشعبيّة، منذ قيام سكّان الرديّف سنة 2008 إلى غاية هروب الرئيس الجبان، الفار مما كان ينتظره من محاكمات شعبيّة وما يمكن أن يصدر من أحكام، لا أظنّها تختلف كثيرا عن تلك التي صدرت في حقّ ملك فرنسا لويس السادس عشر وزوجته النمساويّة الأصل ماري أنطوانات.
فكيف نجد اليوم بعد مرور نصف سنة على ثورة الأحرار، من ينسب لنفسه القيام بدور البطولة في إنجازها، ويعتبر أنصاره من حماتها، بل يرى نفسه كطرف ديني - سياسي الضامن الوحيد لحمايتها، كما صرح بذلك عبد الكريم الهاروني، عضو المكتب التنفيذي لحركة النّهضة المكلّف بالشباب، والذي أثنى يوم السبت 23 جويلية 2011 في اجتماع بأنصار حركته في فضاء القبّة بالمنزه، أثنى على الدور الذي قام به شباب النهضة من أجل تحقيق مكسب الإطاحة بالنظام السياسي السابق، وبفتح الطريق أمام بناء الدولة الديمقراطيّة (!)، موجّها رسالة إلى الحكومة مفادهـــــا أنّ
 " للثورة شباب يحميها، ولها نهضة تحميها " ؟ 
أليس هذا ركوب على الثورة واستغلال لها ؟
ألا يعتبر هكذا موقف، عمليّة سطو موصوفة على ثورة شعب كامل لم ترفع فيها شعارات دينيّة البتّة ؟
وهل ثمّة فرق بين من سرق شعبا ومن سرق ثورة ؟
إن لم يكن ما صرّح به الهاروني سرقة للثورة فماذا نسمّيه إذا ؟
هذا واحد من التحدّيات التي تهدد ثورة 14 جانفي. إنّ كلّ الأطراف السياسيّة تتربّص بها وتمنّي النفس بالتحدّث باسمها، كما يتحدّث اليوم كلّ من هبّ ودبّ باسم الشعب.
إنّ أخشى ما أخشاه أن أسمع في قادم السنين من يتبجّح بكونه المفجّر الحقيقي لثورة الأحرار، وأنّ فضل قيامها يعود له وحده دون سواه.
ألم يملأ النظام الأسبق آذاننا طويلا بأهزوجة المجاهد الأكبر، والرئيس الأوحد، وسيّد الأسياد، والصحافي الأوّل، والرياضي الأوّل، والقائد الذي لم يجد الزمان بمثله لا قديما ولا فيما هو آت من قادم الأيّام؟
حذار يا شعب من هذه الألاعيب السياسويّة.
لا أحد اليوم بإمكانه أن ينسب لنفسه دور البطولة الثوريّة في تونس، باستثناء الشعب وفي مقدمته فئة الشباب .
ولا أحد بإمكانه أن ينصّب نفسه متحدّثا باسم الدين. إنّ للدين ربّ يحميه، لا حاجة له بوسطاء يوكل لهم مهمّة حماية دينه. إنّه هو الذي أنزل الذكر، وهو حافظه الأوحد.
إنّ كلّ من يدّعي التكلّم باسم الدين ويوهم نفسه بأنّه حاميه، إنّما هو في تصوّري آثم و مشرك، لأنّه نصّب نفسه شريكا للّه في تعهّد الدين، واعتبره (أرجو أن يكون عن غير قصد) عاجزا عن حماية ما أنزل. و إذا لم يكن يقصد ذلـــــك
( وأخاله لا يقصده)، فلا شكّ أنّه حينئذ ليس سوى أحد المنخرطين في سنفونيّة المتكالبين على السّلطة من السياسيين، الذين تبقى المحافظة على أخلاق المسلم الحق والتمسّك بها آخر ما في قرارة أنفسهم.
وماذا ننتظر إذا من فاقد للأخلاق ؟
لقد أفادني علم التاريخ إفادات لا تحصى ولا تعدّ، لعلّ أهمّها ما أصبح يقوم عندي مقام اليقين، أنّ كل الحركات الدينيّة في التاريخ الإسلامي إتخذت غطاء سياسيّا لتخفي أهدافها الحقيقيّة.
 لذا لا يغرنّك ما تدّعيه بعض الحركات الدينيّة التي أعلنت تحوّلها الرّسمي إلى أحزاب وانخرطت في اللعبة السياسيّة واعتمدت الديمقراطيّة منهجا! كلّ ذلك ليس سوى ذرّ الرماد في العيون.
وإنّي أشاطر أستاذ الأجيال والباحث محمد الطالبي، الذي يعتبر أنّ كلّ ناعق باسم الدين، وكلّ منصّب نفسه حاميا للمقدّسات، ومجنّدا أبواق الكهنوت وممتطيا إرهاب الشريعة لبسط سلطانه على العقول، واضعا حدودا لتقييد الفكر الحرّ، ومحنّطا العقل ومغتالا الفنّ والإبداع، ومواريا نصف المجتمع وراء عباءات داكنة ما أنزل اللّه بها من سلطان، وساجنا إيّاه وراء أسوار تخفيه عن الأعين، وتحرمه من حقوقه المدنيّة، أي من حقوقه في العيش حياة كريمة بكل حريّة، لمقيم الدليل القاطع على أن لا حريّة معه، ولا ديمقراطيّة مع منهجه الرجعيّ البائد، الذي ارتآه نمط عيش على هامش التاريخ، متغافلا عمّا يحدث حوله وخارج " دار الإسلام " من ابتكارات واختراعات وتفتّق لعقل كسّر الأغلال التي شلّته عن التفكير قرونا عديدة، وحوّل الكرة الأرضيّة إلى فضاء مدنيّ موحد، باستطاعتك أن تعرف كلّ ما يجري فيه حينيّا، وجعل الحجم المهول للمعرفة الإنسانيّة رهن ضغط بسيط على زرّ في لوحة مفاتيح أصغر الحواسيب، يطلعك على جزئيّات صناعة القنبلة النوويّة كما يطلعك على طريقة طبخ قطعة يبتزا أو "المطبّقة " لتلبية رغبات أبنائك خلال العطلة الصيفيّة، مثبتا بذلك أنّ الحقّ كان مصيبا عندما حمّل الإنسان خلافته في الأرض، وهي مهمّة رفضتها الجبال الرواسي، وأثارت تساؤل الملائكة حول أحقيّة الإنسان بتلك المهمّة. لكن اللّه يعلم ما لا تعلمه مخلوقاته، فسبحان الخلاّق العليم.

dimanche 3 juillet 2011

يا شباب العلا


كثر الحديث هذا الأسبوع عن المواجهة الفكريّة التي دارت بين الشيخ عبد الفتاح مورو والمفكر الجليل الأستاذ محمد الطالبي، بسبب ما جاء على لسان هذا الأخير من أقوال في السيرة النبويّة وفي السيدة عائشة زوجة رسول اللّه.

أوّلا : يجب أن نعلم أن المواجهة ليست سوى مواجهة فكريّة. أي أنّ السلوك الحضاري الذي أبهرنا به العالم في ثورة 14 يناير 2011، يحتم علينا ألاّ نتجاوز حدود الرد فكريا على ما طرحه أحد منا بالفكر.

ثانيا : يا شبابا نعتز ونفتخر به. يا شبابا أعاد إلينا الأمل فيما تبقى لنا من سنوات نعيشها ، لا يعلم عددها إلاّ من صوّرنا في أرحام أمهاتنا الطاهرة  والزكيّة.
ياشبابا أعاد إلينا عزّة فقدناها طويلا.
يا شبابا أعاد إلينا كرامتنا التي سلبت منّا ولم تكن لنا الشجاعة الكافية للمطالبة باستردادها.
يا شبابا سمح لنا بتذوق طعم الحياة الكريمة.
يا شبابا علّم الكهول القدرة على التحدي.
ياشبابا أعطى للإنسانيّة دروسا ستتذكرها الأجيال قرونا طويلة، وستدرّس في أشهر الجامعات في مختلف أنحاء العالم، كما تدرّس إلى حدّ اليوم الإستراتيجيّة العسكريّة التي كان يطبقها ابن بلدنا الذي نفتخر به حنبعل برقة الذي دوّخ العالم.
يا أحفاد العالم الفلاحي ماغون. ويا أحفاد سبتيموس سيفيروس الذي حكم الإمبراطورية الرومانيّة. يا أحفاد القديس أغسطينوس. يا أحفاد الأديب ترتوليانوس. يا أحفاد العبادلة السبعة. يا أحفاد عقبة بن نافع الفهري الذي أسس أول مدينة إسلامية وأول مسجد جامع بالمغرب. يا أحفاد من وضع أسس علم الإجتماع وعلم العمران البشري، عبد الرحمان بن خلدون. يا أحفاد الدغباجي ومصباح الجربوع وعلي بن غذاهم.
يا أبناء عمومة أبي القاسم الشابي ومحمود المسعدي والشيخين الطاهر وابنه الفاضل بن عاشور، وقبلهم خير الدين التونسي وأحمد بن أبي الضياف وسالم بوحاجب.

يا شباب تونس الأغر.
إن الرجل لم يقل سوى ما ورد في المصادر التاريخية. لم يأت بشيء من عنده. هو قدم لنا ما لا يستطيع الوصول إليه عامة النّاس.
لم يشكك في الصحابة. لم يقدّسهم لأن القدسية للإله الواحد الأحد فقط.
فلننظر إلى الأشياء بفكر نيّر. ولندرس النصوص دراسة علمية . هذا ما علينا القيام به. هذا ما يتماشى مع سلوكنا الحضاري الذي أطحنا به بواحدة من أعتى الدكتاتوريات في القرن العشرين.
ما عدا ذلك من سلوك همجيّ إنما يدخلنا في خانة الفوضى التي يصعب علينا فيما بعد الخروج منها، خاصة إذا ما كان "الواحد منّا يزيد الماء والآخر يزيد الدقيق".
لنتق اللّه في علمائنا. هؤلاء بفكرهم النيّر والمتحرر من قيود الشد إلى الوراء سيخلصوننا من ظلمات الجهل وسيعيدوننا إلى صفاء العقيدة الخالص لأنّهم بكل بساطة لا يتاجرون بالدين. أما حديثه بخصوص عائشة فقد ذكر ما تقول فيها الشيعة دون زيادة أو نقصان ولم يعلّق على ذلك ولم يبد رأيه الخاص.
مصدر الصورة : http://www.french.humanitarianphotos.com/articles/tunisie-la-revolte-d-une-jeunesse-sans-avenir.htm

vendredi 1 juillet 2011

تساؤلات مواطن تونسي

جامع الطيب المهيري بالعوينة  


اليوم 1 جويلية 2011، حضرت صلاة الجمعة في جامع ابن محمود بالعوينة. خلال الأسابيع الماضية ومنذ حولت وجهتي نحو هذا الجامع - بعد أن كنت أصلي وراء إمام الجمعة بجامع حي الطيب المهيري، و الذي يخبط إمامه خبط عشواء، والذي هو  على حد قول أحد المصلين: " يجي كل شىء إلاّ أنه يكون إمام جامع!!! – كانت خطب الإمام هادئة رصينة مقنعة ومفهومة من قبل عامة النّاس، كلماتها منتقاة بعناء وبجهد واضح شجعني على مداومة الصلاة وراءه خاصة وأن الجامع إيّاه على مقربة من محل سكناي، إضافة إلى أن صعود الإمام على المنبر يكون مبكرا نسبيّا. أي أنّ كل الظروف كانت تشجعني على التردد على هذا الجامع. لكن خطبة اليوم خرجت عن السائد إذ بدا فيها الإمام متوترا على غير العادة، وبعد الديباجة التي يرددها الأيمة منذ قرون بدون أي اجتهاد ولا تجديد إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، كأنهم يريدون التأكيد على أنّنا أفضل الأمم في... التقليد وعدم الإتيان بالجديد علّه يكون بدعة، والبدعة فتنة والفتنة ضلالة والضلالة في النّار، ومن الأفضل أن نحافظ على عادات السلف الصالح لأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان وأنّه لا يمكن أن يكون هناك جديد تحت الشمس، بعد الديباجة إذا بدأ الإمام الفاضل (تعجبني كلمة الفاضل وكم كانوا يلقبون ليلى الطرابلسي بن علي بالسيدة الفاضلة) وهو شاب لم يتخط عتبة الثلاثين من عمره، بدأ التهجم على المبدعين وعلى حرية القول والتعبير، بالتعرض على حالتين:
- الفيلم الزوبعة الذي شهد فضيحة السبت الماضي المتمثلة في تجسيم الجهلوت في أجلى مظاهره في شارع  من شوارع العاصمة، التي أصبحت شوارعها تشبه أي شيء إلاّ أنها تشبه شوارع عاصمة تستقطب سنويا ملايين السيّاح (في الماضي القريب). نزل الإمام المحترم في فيلم "لا ربي لا سيدي" نقدا وسبا وشتما وتهجما على مخرجته "الملحدة والتي لسنا في حاجة لكي تعلمنا أصول ديننا" ناعتا إياها بالداعية إلى الفتنة وإلى إشعال حرب أهلية في البلاد (هكذا). مما تأكّد لدي ان الإمام المحترم، والذي اختارته الشعائر الدينية ليفقه الناس قي الدين، أنه لم يشاهد الفليلم!!!

- الجدال الذي دار بين الشيخ عبد الفتاح مورو (اللّي يلعب في لعب حنّ حنّي قيني، والشيخ ابن نهج سيدى العلوي، وصهر الشيخ الشحيمي، صاحب المطبعة الكائنة ببطحاء باب سويقة غير بعيد عن المكان الذي تم فيه رش الناس بماء الفرق، يفهم هذه العبارة التي كان يرددها الناس غير بعيد عن حيّه وتحديدا في حي باب الأقواس) وأستاذ الأجيال السيد الوقور العلاّمة محمد الطالبي، وما أثاره من صخب كم نحن في حاجة إليه لتحريك مياه الفكر الراكدة والتي أوشكت أن تصبح آسنة من قلة الحراك فيها. وصف الإمام (المحترم مرة أخرى) الأستاذ الطالبي، صاحب السبعين سنة من البحث العلمي، وصفه وصفا أكاد أستحي من رقنه حتّى، وصفه بالحثالة. وصف من أسس الجامعة التونسية بهذا الوصف. هكذا اشارت عليه أخلاق الإمامة؟ هكذا وصف من تخرجت على يديه عشرات الأجيال من المفكرين والمربين الذين تحملوا أعباء بناء هذا الوطن بعد الإسقلال. هكذا نكافىء رجلا كألف، عوضا عن أن نقيم له تمثالا يخلد ذكره، عوضا عن نضعه في بؤبؤ العين، لأنه ليس لنا من أمثاله الكثير، وهو الذي تجاوز عتبة التسعين من العمر وما زال يفكر بوضوح ما بعده وضوح. هكذا نجازيه. يا الله ما هذا الخور... ثم أين هو مبدأ تحييد المساجد... ها أن المنابر أصبحت منصات تلقى من علوها الخطب السياسية... ثم هل كان الرسول يسبّ الناس على المنابر... الم يكن يدعو إلى ربه بالموعظة والكلمة الحسنة... لكن إن جاءت مذمة أستاذ جليل كأبي الأجيال وشيخ المفكرين محمد الطالبي من ناقص فذاك دليل على ماذا؟ تمنعني أخلاق المسلم عن الإجابة...  أماّ إمام جامع  ابن محمود بالعوينة فإنّ إسلامه لم يمنعه من سب النّاس... كأننا لا نؤمن بنفس الإسلام.
مصدر الصورة : http://www.demotix.com/news/714646/tunisian-public-place-all-states