samedi 4 février 2017

أحنا ... شكون أحنا؟

توا اكثر من جمعتين، معناها قبل ما تبدا دورة كأس افريقيا لكرة القدم، كل وسائل الإعلام ما تناقش كان في موضوع عودة الإرهابيين.وانقسمو الناس لكل لقسمين:
قسم يشوف انو هالإرهابيين منّا وإلينا،  ومتاعنا وسلعتنا عادت إلينا، وانو اللحم إذا نتن ما إيلو كان اماليه، وبما اننا معروفين بالإعتدال والتسامح ومن جماعة عفا الله عما سلف، وطاح الكاف على ظلّو، وخاطينا الداعي وركوب البرداعي، ما نراوش مانع باش يرجعو لتونس الي هي ابري تو بلادهم وبلاد جدودهم ...
وقسم يشوف الي هالجماعة هاذم باعو ارواحهم للشيطان، ونكرو في هويّتهم التونسيّة، وفيهم شكون حرق باسابرتو، وماعادش مستعرف ببلاد سيدي محرز وسيدي بو مخلوف والسيدة المنوبيّة حبيبة ربي، وبصّ في اللوزة،  يلوّج على هوية أخرى، وعلى أحلام أخرى، ويفنتزمي على عشرات الحوريات إلي وعدوه باش يتعرضولو في الجنة . فبحيث الجماعة هاذم ما يلزموناش ولا هوما منا ولا أحنا منهم، ومالأحسن انهم ما يرجعوش لبلادنا سينون رانا نبهذلو بحالهم ونكورو بيهم وإذا لزم نطورقو عليهم بالقانون، ونرتحو الإنسانية من وبائهم ومن ريحتهم السفشة ...
التقسيم هذا خلى برشا توانسة يتساءلو ياخي شكون أحنا؟ وعلاش ولينا هكا؟ وشكون تسبب في تقسيمنا؟ وشكون كان آسطا وسبب في تسفير الشباب إلى اغترو ومشاو جماعة منهم لليبيا، وجماعة لسوريا، وجماعة للعراق، وحتى لليمن وللتشاد وللنيجر وللسودان، ومن قبل لأفغانستان؟
اسئلة خلاتني نفكّر في شكون أحنا خاصة بعد ما  ظهرت فيّة أخرى عندها تقويم غير التقويم المتعارف عليه، وتطالب بالإعتراف بأمازيغيّتها وبأنها تمثل سكّان البلاد الأصلين، وان لخرين لكل فالصو...
فأحنا سيدي خويا التوانسة، رجال أحرار مالذهيبة  وراس جدير وبن قردان لطبرقة وعين دراهم ، الف ما فينا أف، كي صوابع اليد الوحدة ما نتفصلوش عن بعضنا ...
أحنا اولاد الخضراء عروقنا وعروق جدود جدودنا مغروسة في تربتها من أكثر من 65 ألف عام ... ارجعو للتاريخ وللآثار في قفصة والقطار، واد العكاريت والرديّف، والمقطع والقصرين والكاف، وام علي وقصر لمسة، والمتلوّي وعين أقطر، وقربة ونابل ووشتاتة، وواد مليان وعين برمبا...
وزيدو شوفو آثار الحضارة القبصيّة الي حُكمة البلاد من 8000 إلى 5000 سنة قبل ميلاد سيدنا عيسى ...
احنا ملح الأرض الطيبة المعطاء، وما نرضاش بالهمج والمتهورين والمتوحشين يرجعو يعيشو بيناتنا ...
أحنا الأحرار أولاد الحرة أم البلدان، صرّة العالم من قديم الزمان ...
رضعنا من صدر عليسة والجازية وعزيزة عثمانة، وبشيرة بن مراد وشريفة المسعدي، وخالتي مبروكة الفلاحة وام الزّين الجماليّة ...



صورة من #دڨة لحميد الدين بوعلي، من المصورين الفواوتوغرافين التونسيين المبدعين
https://www.facebook.com/hamideddine

بنينا حضارة ما زالت شواهدها واقفة لتوا... زينّا أرضيات وقصورات الملوك والأباطرة بقطع فسيفساسية صنعتها يدين جدودنا ...
غذينا الرومان بقمح بلاد افريقيا وبغلّة سوانينا... سقيناهم خمور من كرومنا .... قدمنا للكنيسة المسيحية أفضل كتّابها وفلاسفتها، وعطينا لروما ثلاثة ملوك واباطرة يحكموها ...
من أرضنا انطلق الإسلام باش يستقر في بقية بلاد المغرب وفي جنوب أوروبا مالأندلس لصقليّة ...
خيراتنا وذهوباتنا هزّها المعز لدين الله الفاطمي باش يضوي بيها على المصاروة وبنا بيها مدينة القاهرة المعزّية واقام الدولة الفاطمية ...
أحنا الي بنينا بسواعد جدودنا جامع عقبة بالقيروان وجامع الزيتونة المعمور حامي حمى الإسلام السنّي المالكي الأشعري الجنيدي ...
أحنا الي نجحنا في التوفيق بين العقل والنقل ... ونشرنا مبادىء الإعتدال والتسامح والعقلانية العلمية...
احنا الي تحررت المراة في بلادنا مالكلاكل الي قيدها بها التحجر الفكري إلي عطّل الإجتهاد في الدين بدعوى أن لا جديد تحت الشمس، وانوليس بالإمكان أحسن مما كان، وانو يصعب على الأواخر الإتيان بما جاء به الأوائل، وانو المُستجدّات بدعة وان كل بدعة فتنة وكل فتنة ضلالة وكل ضلالة في النّار...
أـحنا أحفاد عليسة وأملكار وحنبعل والفاتنة صوفونيبة والعالم ماغون ... أحنا أحفاد يوغرطة وماسينيسان وسانت اوغيستينوس والإمام سحنون والبهلول بن راشد والقاضي عياض وابن عرفة ...
احنا من نسل عبد الرحمان بن خلدون والثعالبي والحداد وفرحات حشّاد وبورقيبة والماطري والمنجي سليم والطيب المهيري والطاهر بن عمّار و والهادي شاكر وعلالة البلهوان والحسين بوزيان وجلولي فارس والرويسي ...ومن قبلهم الكاهنة وعلي بن غذاهم الماجري ومصباح الجربوع والبشير بن سديرة...
واحنا تلامذة المشايخ النيفر وجعيط وبلخوجة والمحجوب وابن أبي الضياف وسليمان بو حاجب ... اتباع احمد باشا باي وخير الدين التونسي وابن عاشور صاحب التحرير والتنوير ...
احنا فئران الداموس من قفصة والرديف والمتلوي وام العرايس وكاف الشفاير وسرا الورتان والقلعة الخصبة وتمرة وبوقرين ....
أحنا فلاّحة الجريد قبلي ونفطة وتوزر، صهدت الشمس الحارقة جلودنا وقطفنا الدقلة المدرجحة في عراجينها ... احنا فلاّحة السّاحل الي تشقّت ايدينا بجمعان الزيتون، وفلاحة بر افريقيا حصنا قمحها وشعيرها، وبحّارة بنزرت والمهديّة وطبرقة وصفاقس وجرجيس ... واحنا فلاّحة السبيبة جمعنا تفاحها ، وفلاحة دخلة المعاوين قطفنا قوارصها وفراوله، وخضرتها فلفل وطماطم وسفناريا ولفت وبسباس وكرمبيط، واحنا مغارسية صفاقس نبّعنا اشجارها زيت صافي يسافر لكل البلدان ...
احنا إلي نفرحو بالصيف ونرشقو مشامم الفل والياسمين ونتمشّاو على كرنيش بنزرت وبوجعفر وال 100 ماتر في صفاقس، ونتبخترو مع نسانا وصغارنا في شوارع  حلق الواد والكرم والمرسى، ونترشفو تاي سيدي بو سعيد المنعنع ، ونفرهدو أولادنا ونشيخوهم بالقلاص  متاع سالم وبكسكروتات جوزاف المرسى، ونشريوولهم بنبالوني نابل ولبلابي الحطاب وصحن تونسي من عند مانينو الباساج، ونسقيوهم الجواجم الصفاقسية ونذوقوهم زلابية ومخارق وريقونة باجا ومحشي تطاوين وبسيسة  تكرونة وزميطة جربة ... ...
أحنا إلي نعمرو المهرجانات الصيفيّة وأيام قرطاج المسرحية والسينمائية... واحنا إلي نتبعو أخبار الثقافة في بلادنا وفي العالم، وندمنو على مطالعة كتب محمد الطالبي وألفة يوسف وعبد المجيد الشرفي ويوسف الصديق وتوفيق بكار ومحمد فنطر وهشام جعيط ومنيرة شابوتو وراضي دغفوس ومحمد المدب ...
أحنا إلي نستناو كل عام وبالدقيقة والدرج معارض الكتب ... أحنا إلي نعشقو شعر أدونيس وأحمد مطر والمتنبّي والشنفرى والبحتُري وأبو العتاهية والنواسي ...
احنا إلي ننتلذذو شعر نزار والشابي وجعفر ماجد ومحمد الصغير أولاد أحمد... ونشيخو كي نسمعو شعر البرغوثي ولسود وسيدي علي سعيدان كي يبدا يطرز في كلامو المعسول ...




احنا إلي نعملو نشوة بغنايات الشيخ العفريت وصليحة وعلية وصفية، وشُبيلة وشافية والشرفي وبوشناق وسيدي علي، وعم الهادي الجويني والصادق ثريا وغرسة، ونقشات عم خميس الترنان وأيا زهرة، واسماعيل ولد الحطّاب والفرزيت وحبّوبة ...
أحنا إلي نشيخو على زكرة بوديّة وعلى نوبة بن عروس وأم الزين الجمّالية ... ونتفاعلو مع سلامية بن محمود ومحمد شقرون والمثلوثي وإنشاد سمير البكوش وفرقة مشكاة... واحنا إلي نُطربو لغنايات فيروز كل صبحيّة وتعجبنا غنايات مرسال وجورج والهادي قلة والشيخ إمام العيسى وفرقة البحث الموسيقي  وفرقة الموسيقى العربية......
أحنا إلي نبرو على  بعضنا في الكورة، الشاحلي ينبّر عالمكشّخ، والمكشخ ينبّر عالزنطور، والزنطور ينبر عالصفاقسي ... لكن في لخّر لكل يجمعهم الفريق الوطني وتذوب وقتها الألوان ويوليو لكل يد واحدة ...
أحنا إلي تنبعو في أخبار العالم إلي ولا يغلي كي طنجرة البرغل... نعرفو الشقيقة والرقيقة والشيطان وين خبا ولادو... نحاولو نفهمو آش صاير في العالم من 11 سبتمبر 2001 لليوم ...أمريكيا ولا يحكمها واحد أسمر اللون، حررنا جدودو في تونس من عام 1846، شبيّب طويل وشباب قد الباب ... لكن حل على بلادو  وعلى العالم باب جهنم بالحروبات الي خربت بلدان وشردت شعوب،  والحال انو متحصل على جائزة نوبل ...للسلام، وهاو جا بعدو واحد راس متروش  ناوي يزيد يخلوضها وكاننا في زمن الثلاثينات من القرن الفايت والله يحسن العاقبة وين باش ترصي بعد إلي منع مواطنين من بلدان اسلامية يحطو ساقيهم في بر الماريكان ...
بلداننا العربية قايمة على راس كلب ...حكم مترنح في مصر ... العراق غارقة في مكافحة الإرهاب ... سوريا في النازعات غرقا ...اليمن حدث ولا حرج واصبحت عرضة لهجوم تحالف ... عربي، معناها سيدي خويا العريبة ولات  كي القرنيط كيف ما يلقاو ما يعملو يدورو على صوابعهم يقضمروهم ... واحنا في تونس نساعدو في رواحنا رويدا رويدا كيما قال عم الراجل، ونحاولو نقدمولقدام بعد ما عملنا ثورة ضد الظلم والطغيان وفتحنا الطريق قدام تحرر العرب وقدمنا الضحايا من عسكرنا وامننا وقادة الفكر متاعنا... بلعيد والبراهمي ما يمشيش دمهم خسارة وبيه نبنيو تونس الجديدة ...
احنا في كلمة واحدة التوانسة الأحرار إلي نغيرو على بلادنا، ومستعدين نفديوها بدمنا وباولادنا، ونفرحو كي نشوفو علمها يرفرف في كل بلاصة، ويقشعر لحمنا كي نسمعو النشيد الوطني تعزفو فرقة الجيش وندخلو في سينة أخرى ...
واحنا ناس من طينة ما تحبش الظلم، ونرفضو انا نعيشو مع الإرهابيين والمجرمين وقتالة الأرواح إلي رفضو بلادهم وناوين اليوم يرجعو باش يعملو بعمايلهم كيما عملو في سوريا وليبيا والعراق...
احنا التواسة نقولولهم انا مستعدين باش ندافعو على بلادنا وعلى ثورتنا وعلى هويتنا كرجل واحد مهما كانت اختلافاتنا ...
والبقاء للوطن قبل وبعد كل شيء.

jeudi 26 janvier 2017

في الذكرى السادسة للثورة

اعتدت كل سنة، نشر مقال بمناسبة إحياء ثورة 17 ديسمبر-14 جانفي، أشيرُ فيه إلى نقائص الثورة تارة، وأحُثّ على ضرورة إستكمال الإطاحة بالنظام القديم تارة أخرى، وأدعو إلى ثورة ثقافيّة تقطعُ مع السّائد وتفتح آفاقا جديدة لشعب أغلبُ سكّانه شباب، سيعيشون بالطول والعرض قرن الرقمنة في أجلى مظاهرها. هذا دون السهو عن انتقاد بُطء الإصلاحات الإقتصاديّة والتردد في أخذ الإجراءات الجديّة والجذريّة لمُراجعة نمط الإنتاج الإقتصادي ...
في الذكرى السادسة للثورة وجدتني لا أحيد عن المسار الذي خطوتُ فيه، غداة 14 جانفي 2011،  أولى الخُطوات لتأثيث مُدوّنتي،   مُنبّها إلى بعض النقائص التي تشوبُ المسار الثّوري، إيمانا مني بأنّ النقد هو السبيل المُثلى لتحسين المردود في أي مجال كان، خاصّة إذا كانت "ثورتنا" منقوصة، بمعنى أنّها لم تنته بعدُ، ولم تستنفذ كل قُدراتها، ولم تقطع كلّ مراحلها ، وأنّها تُواجهُ قوى الردّة التي تُحاولُ الإنحراف بها عن مسارها ، والإلتفاف على أهدافها...
قوى تحلُمُ بالإعتراف بدورها "البطولي"،  وتنتظر توشيح صُدور أبنائها بأوسمة "الثوريّة"، ساعية إلى إيهام الرأي العام بدورها في المُشاركة في الإحتجاجات الشعبيّة التي انطلقت في الحقيقة من الحوض المنجمي سنة 2008، وانتهت عشيّة 14 جانفي في العاصمة وقد أكرهت رأس النظام على الفرار ... بينما الواقع أنّها كانت تتفاوض معه  إلى آخر لحظة لتضمن لنفسها إعترافا يُخوّل  لها التعايُش مع حُكم استبدادي امتد على أكثر من عقدين.
صدقا،  لم أشاهد يوم 14 جانفي من المُشاركين في  المسيرة التي انطلقت من نهج محمد علي بالعاصمة، بتنظيم من الإتحاد العام التونسي للشغل، من يوحي مظهرهُ الخارجي على الأقل بالإنتماء إلى التيار السلفي بالمفهوم العام للمصطلح، كما اني لم ألحظ رفع  شعارات ذات مدلول ديني ...
إضافة إلى ذلك فانّه  لا دليل على مشاركتهم في الإجتياح الشعبي لمقرّات السيادة قبيل يوم 14 جانفي  وبُعيد إيقاف "قبيلة الطرابلسيّة" بالمطار، ولا في أحداث الرديّف، ولا في انتفاضة الخُبز في مطلع شهر جانفي 1984، ولا  في حوادث 26 جانفي 1978 ...
محمد البوعزيزي(طارق حسب بطاقة تعريفه االوطنية)، لم يكن منتميا لأيّ تيّار ديني أو سياسي ...
لقد قام بمفرده بدور البطولة المطلقة أمام أحد مقرّات السّيادة بمدينة سيدي بوزيد،  كرد فعل على سياسة قهر سحقت الشباب طويلا ... وأدت أحلامهم في المهد ...  أزهقت روح مطامحهم  ... جعلت أفاقهم مُدلهمّة ...  همّشتهم ودفعت بهم إلى المحارق بعد أن طبّقت إزاءهم استرايجيّة التحكم في الشعوب التي من أهم عناصرها:
إلهاء  الرأي العام وتحويل انتباهه عن المشاكل الحقيقيّة، وجعل الشعب مُنشغلا بوابل هائل من التفاهات حتى لا يكون لديه وقت للتفكير حسب نظريّة المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي.
  • إبقاء الشعب في حالة جهل وحماقة،  وذلك بجعل التعليم العمومي المُوجّه للطبقات السفلى، التي تشكّل أغلبيّة المجتمع،  ذو نوعية معرفيّة رديئة،  حتى تُكرّس  الهوّة المعرفيّة بينها وبين الطبقات الميسورة،  التي ترسّم منظوريها  في مؤسسات التعليم الخاصة ذات النوعية المعرفية الجيّدة  نسبيّا.
  • تشجيع الشعب على اعتبار الرداءة أمرا عاديّا،  وإقناعه بانه من "الرائع" أن يكون غبيّا ...همجيّا،  جاهلا ... ميّالا إلى العنف، سلوكا ولفظا ومظهرا خارجيّا،  بواسطة  منظومة إعلاميّة مُخترقة،  انخرط  العديد  من أفرادها  طوعا أو إكراها  في خدمة النظام،  لنشُر التفاهة، والتقاعُس والتواكُل، وللتشجّيع على عدم بذل الجُهد لكسب المعرفة،  وللإعتماد على ألعاب الحظ  لكسب ملايين الدنانير دون جٌهد يُذكر،ولاتخاذ "فناني" الزمان الرديء ورياضيي المنظومة الرياضية المُنحرفة،  امثلة يطمح الشباب المُهمّش إلى  النسج  على منوالها ...

سياسة القهر طالت كذلك المفكرين والمثقفين والإعلاميين والفنانين والطلبة التقدميين وكل مُعارضي النظام القائم ... سياسة حوّلت أحد الباعة المُتجولين بمدينة المُنستير إلى كومة تضطرم نارا امام مقر البلدية، بضع أشهر قبل حادثة البوعزيزي ...
لقد كُنت شاهد عيان على أحداث أقل خطورة، ولكن ليست أقلّ عُنفا، بين الباعة المُتجوّلين عبر أنهُج العاصمة يُحاصرهم  أعوان التراتيب البلديّة ... أحداث كانت عبارة عن مُؤشّرات حيّة لعُمق تأزّم الوضع،  و لبلوغ النظام آخر مراحل وجوده التي فجّرها رد فعل البوعزيزي ...
البوعزيزي أضرم النار في جسده الفاني تعبيرا عن رغبته المُلحّة في عيش يضمن كرامته كإنسان.عيش كبّلته القوانين الجائرة، ورسم طريقهُ عجز الحكومات المُتعاقبة عن فتح الأفاق أمام العاطلين من الشباب ...
ثورة الشباب لم تُطالب بالشغل فقط، بل طالبت بما أرقى من ذلك بكثير، إذ طالبت بالحرية والكرامة الوطنية...
انها ثورة نبيلة الأهداف، راقية المعاني والغايات والمقاصد...




انها صرخة مدوية ملأت الآفاق مُعلنة عن رفضها للقهر وللإستبداد، ومُعبّرة عن كُفرها باستغباء الشعوب 
وباستغلالها ...
ثورة طالبت بمبادئ انسانيّة... أعلنت عزمها عن التمسّك بها، وعن عدم التخلّي عنها، مهما اجتهد دُعاة الماضي الغابر في إعاقة مسيرة تقدمها،  بتكبيل الأرجُل والعقُول لمنعها من مُعاصرة زمانها...
ثورة ضد الإنتهازيين والباحثين عن المكاسب الماديّة،  والساعين بشتى الطرق للوصول إلى أرائك الحكم الوثيرة، لتأبيد امتيازاتهم والتنعّم برغد عيش،  بعيد المنال عن خمس شعب يعيش الفقر المُدقع في أكثر الظروف المناخيّة  قساوة ... ظروف  شتاء 2017 ...

ثورة تفوح بعبق الشباب ممزوجا بالعرق ... شباب وضع على حد قول الكاتب التونسي محمد المحسن

:" حدّا لهزائمنا المُتعاقبة، قطع مع كل أشكال الغُبن والإستبداد، خلخل حسابات المنطق، جسّد هزّة عنيفة مُخلخلة للوعي المُخدّر والمُستلب، وضع بالتالي بدماءهُ الطاهرة إشراقات ثوريّة، قدرُ الطغاة فيها هو الهزيمة ..."  
ثورة فجّرها شباب يُؤمنون بوضع حد لزمن ردىء طال أكثر من اللازم ...
شباب يوقنون بأنّ غدهم لن يكون أفضل من أمسهم إلا إذا استمر النفس الثوري متيقّظا ... مُتأججا في أعماقهم ، لأنّ النضال من أجل الحريّة إنما هو صراع متواصل لا ينتهي، ولا يترك أي مجال لعودة دُعاة الماضي، دعاة الثورة المُضادة ...
فهل يرضى الشباب اليوم، وقد انقضت ستّ سنوات من عمر الثورة، بمختلف أنواع الشد إلى الوراء،  عبرتكرر المحاولات التي بلغت مرحلة التهديد بالإرهاب... وبعد اليأس من تغيير هُويّة الشعب، وإفلاس ساسة تقسيم المواطنين إلى مؤمنين وعلمانيين، والتوعّد بسحل المعارضين في الساحات العامة، والفشل الذريع في تدجين المرأة التي لم ترض بالوقر في البيت، وُصولا إلى تنظيم عمليات القتل في باردو وعلى شاطىء مدينة سوسة وعلى الحدود،  وفي قلب العاصمة باستهداف حافلة الأمن الرّئاسي ...؟
محاولات الشد إلى الوراء بدأت منذ عودة زعيم قوى الردة إلى البلاد، واستقباله من قبل أنصاره،   كما استُقبل محمد عند وصوله يثرب،  بعد أن غادر أحب المُدن إلى قلبه حيث ضاقت به وبأتباعه السّبُلُ ...
 تواصلت تلك المُحاولات  بالتبشير بإعادة نظام الخلافة إستجابة لإشارات ربّانيّة لم تلقطُها  غير بصيرة مُهندس عمليّات تفجيرات النزل في سوسة والمنستير ذات صيف،  وأدّت بحياة عدد من السيّاح الأجانب، وباستقدام "علماءّ" تُحرّكهم عقد جنسيّة لم يتحرّروا منها، افتوا بجواز إرضاع الكبير، وبجواز ضرب المراة، ومنعها من أبسط حُقوقها كاستخراج بطاقة هويّة،  والحصول على رخصة لقيادة السيارات، وأجازوا  نكاح الميّتة ونكاح العجوز ...
 "علماء" قدموا من مجتمعات موغلة في الإنغلاق، مغمورة تحت ركامات الجهل المُتكلّسة ... مُجتمعات مُتمسّكة بماضيها السحيق، تحنّ إلى صدر الإسلام حنين الرضّيع إلى صدر أمّه، رافضا الفطام...
 مُجتمعات مُصابة بعمى الألوان، وترفض فتح أبصارها على مُحيطها الكوني، مُعرضة عن التعايُش وعن التفاعُل مع مُستجدّات عصرها
 ... مُجتمعات تأبى الإنصهار في زمانها لتستحضر طفولة تاريخها وبدايات دينها، مُتمثّلة إياها هيأة، ولبسا، 
وسلوكا، وحتى علاقات جنسية ...



إن ثورة البوعزيزي لم تصل في رأيي، وإلى يوم الناس هذا، إلى العنوان الصحيح، لأنها سُرقت وحُوّلت وُجهتُها ...
ثورة الشباب سرقها " الشيّاب" ... حوّلوها تحت التهديد إلى وُجهة غير الوُجهة التي من أجلها
 فُجّرت ...
هددوها بالإرهاب لفرض نظام سياسي هجين قُسّمت فيه السلطة إلى  رؤوس ثلاثة،  تقسيما أصبح أخذ القرارات الحاسمة معه، وإعادة هيكلة البلاد، وبعث المؤسسات الضامنة للحريّة ، وللعدالة، وللكرامة، وللديمقراطية،أمرا أقرب إلى المُستحيل منه إلى المُمكن ... فدخلت البلاد في متاهات مُحاربة الإرهاب، واستقبال "التائبين" من الإرهابيّين ... وضاعت أو كادت تتبخّر أحلام الشباب، وتقلّص مجال حُلم الكهول والشيوخ بغد أفضل لطالما انتظروا حُلوله ... وخفتت، و كادت تخمُد أصوات المُطالبة بثورة ثقافيّة واجتماعية واقتصادية وقيميّة تُكلّلُ المسيرة الثوريّة ...
 حدث كل هذا تحت  وطأة قوى الشد إلى الوراء، التي تُعارضُ القطع مع الماضي والتحرّر من هيمنته ... ترفُض دراستهُ دراسة علمية ونقدية، مُتجاهلة بانّ من يتشبّثُ يالماضي هو في الغالب، وعلى حد قول المُفكر عبد الله العرويّ "أكثر النّاس جهلا به لأنّه يختزل الثقافة العربيّة في الإنتاج الدّيني ... ومنهم من لا يعرفُ من الثراث إلا فتاوى ابن تيميّة ..."
فهل من ثورة تصحيحيّة تُعيد الأمور إلى مسارها الصحيح؟


ملاحظة
 يقول نور الدين البحيري، احد صقور قادة حزب حركة النّهضة، عندما كان وزيرا للعدل:
"من يُعوّلُ على أن تتسحّر النهضة بالسلفيين فهو واهم."
اما أنا فأكرر ما قاله المُفكّر علي شريعتي:
"من الصعب أن تتعايش مع أناس يرون أنفُسهم دوما على صواب."

mercredi 11 janvier 2017

أيّ عالم نعيش؟

سُؤال يُقضّ مضجعي منذ سنوات ويُلحّ على دائرة تفكيري.. يقتحم مجال مشاغلي،  في أي وقت يُريد، ودون إستئذان  بحثا عن إجابة ضافية شافية لما يحدُث على مسرح معيشنا من مشاهد وفُصول لم نعهدها من قبلُ ...
السؤال هو التالي: أيّ مشروع حضاري بانتظار أبنائنا وأحفادنا، تُبشّر به أحداث غريبة هنا وهنالك كالانتفاضات والمظاهرات الصاخبة والحروب الأهلية، وعمليّات الشد والجذب بين القوى العظمى، المُتضاربة المصالح و المُتنفذّة في مصائر البلدان المُستضعفة ؟

لوحة ل إريك لاكومب
http://www.ericlacombe.com/

وسائل إعلام مُعيّنة، بكل لغات العالم، لا تتوقّفُ على مدار الساعة عن عرض أكثر المشاهد فضاعة فننقاد إلى 
متابعتها رغما عن أنوفنا، عاجزين عن منع أطفالنا من مُشاهدتها، كأنّنا أضحينا مأخوذين بسحر، لا نفهم تأثيره علينا، حوّلنا إلى مُدمنين على مشاهدة الدماء المُتدفقة من عمليّات التفجير، وعمليّات جمع الأشلاء المُبعثرة والعقارات المُهدّمة والسيارات المتفحّمة، وأدخل على شخصيّاتنا تحوّلا جينيّا، لا يرى العُنف إستثناءا، ولا ينزعج من إنقلاب المفاهيم والقيم، تحوّلا أفرز "إنسانا" جديدا مُغايرا لذلك الإنسان الذي عمّر أرض الله منذ ظهور الإنسان المُفكّر...
إنّها الثورة، إنه الإنقلابُ الكلّي للمفاهيم ولنمط الحياة، ولكل شيء على وجه الأرض ... إذا تحوّل  ما كان خارقا إلى أمر عادي، فتلك هي  الثورة...  هذا ما كان يُردّده  الزعيم الكوبي الراحل فيدال كاسترو...
حرب أهليّة لا تنتهي انخرطت فيها فصائل مُعارضة لنظام قائم وفيالق جهادية – إرهابيّة ، كلها تحظى بمساندة وتمويل من قبل قوى عظمى وأخرى إقليميّة ...
حركات تحررية تقودها فصائل شيعيّة الهوى في زمن أصبح لكل شرعيّته،  تُواجه بشراسة تحالُفا عربيّا أرغمت بعض الأقطار العربيّة على الإنخراط فيه حفاظا على توازُناتها الإستراتيجيّة وعلى علاقاتها مع الإخوة الأشقّاء ...
غارات جوية لبلدان عظمى ترفع شعار الحرية والديمقراطية وتتغنى بأهزوجة حقوق الإنسان ، وتُقدم نفسها على أنها ذروة ما وصلت إليه  الإنسانية من تقدم وتحضّر في القرن الواحد والعشرين، تستهدفُ أنظمة"شرعيّة"، تُلح على إسقاطها، وتشنّ عليها أبشع الهجمات الجويّة، من غير إذن مُسبق من مجلس الأمن، بداعي أن زعماء تلك الأنظمة دكتاتوريون ومُستبدون بشُعوبهم، فتُسقطُهم وتمثل بجثثهم شنقا واغتصابا على مرأى ومسمع من العالم، قبل أن تُفسح المجال لتسرّب فيالق القتلة والمرتزقين، ليُعيثوا في الأرض فسادا، قتلا وتفجيرات واغتصابات ... فيأتون على الأخضر واليابس، ويحولون أقطارا إلى حُطام باسم دين حوّلوه رمزا للعُنف وسفك للدماء، ويحكموها بقوانين أخرجوها من كُهوف الجهالة والغطرسة والتحجّر الفكري والتّأويل الأعرج لشرع الله ...
يوميّا تجدُنا، ورغما عن أنوفنا،  نُتابعُ  مشاهد مُقرفة، تقشعرّ من هولها أجساد أكثر الآدميّين صلابة، فتُحدثُ في أعماقنا شُروخا قد لا تندمل أبدا، و الله وحد عليم  بتأثيراتها علينا آجلا وعاجلا ...
أيّ عالم هذا الذي أصبحنا نعيشُ على وقعه السريع ؟
وبأي مشروع حضاريّ يبشروننا لقادم السنوات؟
إنتفاضات... ثورات... أدرجت في خانة اتّفق على تسميتها "ربيعا"، لكنه ربيع اقتصر على أقطار عربية مُعيّنة  ولم يمتد إلى أقطار لا تزالُ  تعيش أوضاعا مُزرية في آسيا وأمريكا اللاتينيّة ...
مظاهرات لا تتوقف منذ سنوات ... إعتصامات تقطع الطرقات وتُربك أجهزة الإنتاج ... محاولات انتحار جماعي ... أرباك لمراكز الحكم وللماسكين بدواليب السلطة أفرز "أيادي مُرتعشة" مقيّدة عن أخذ القرارات الحاسمة ...وعن تطبيق القانون ... وتبرزُ في صورة  المُتواطئ مع كل الخروقات ما انجر عنه تدهور جميع أنواع الخدمات والسعي الحثيث نحو الإفلاس المادي والمعنوي ...
 أمن لم يعُد "مكفولا" ... سُلوك مُواطنيّ لامس أدنى درجات التحضّر، إن لم نقل سقط في هاوية التهوّر و ... الوحشية البدائيّة ...
إنفجارات بأحزمة ناسفة وبسيّارات ملغومة،  شملت المساجد والكنائس والملاهي الليليّة والتجمعات البشرية  في الأسواق  والمنتجعات السياحيّة على حد سواء. فإلى أين المفرّ؟
أي عالم هذا الذي نعيش؟
عالم بلغ من التشعّب حدّا  لم يعد الكثيرون  قادرين معه على مُواكبة الأحداث واستيعاب المُستجدّات ... عالم سريع الإيقاع، يسود فيه  منطق العنف والخراب والدمارعلى منطق التعقّل والمُثل العليا والمبادىء السامية ...
عالم هزمت فيه العنهجيّة والهمجيّة، التعقّل والتأمل والتريّث، فخمد صوت الحكمة وطفا على السطح صوت التحدي والإرهاب والتخريب وصوت التكفير في زمن التفكير،وأضحت الفوضى عارمة وإن كانت عند البعض "خلاّقة" ...

ولادة في الحرب ل وسام الجزائري
https://www.instagram.com/wissam.al.jazaeri/

شواهد على حضارات عريقة دُمّرت في العراق وفي سوريا وفي اليمن ... متاحفُ نُهبت وأفرغت من محتوياتها لتُباع جهرا على شبكات التواصل الإجتماعي ...
حضارات ومُنشآت وبنى تحتيّة دُمّرت بسابقيّة الإصرار والترصّد، تنفيذا لعمليّة خُطّط لها بإحكام،  ونُسجت خيوطها من قبل مراكز التخطيط الإستراتيجي للقوى العُظمى المُتحكّمة في العالم، قبل أن تُستحدث الأزمات وتُفجّر بُؤر توتّر بنفخها في رماد الفتن فتوقد نيرانها الخامدة وتهيّىء الأسباب الموضوعيّة لتدخّل جيوشها مناصرة لأطراف على حساب أطراف أخرى ، تُزوّدُها بالإستشارة العسكريّة وبالعتاد الحربي، الذي تبيعه في ذات الآن لمُنافسيها ...فتغنم جرّاء ذلك ويزداد إنتاج مركباتها العسكريّة – الصناعيّة ، ويتطوّر البحث العلمي في المجال العسكري وتُنفّذ آخر التطبيقات التكنولوجيّة، وينتُج عن هذه العمليّة الشيطانيّة  في نهاية المطاف النموّ الإقتصادي والرفاه الإجتماعي على حساب المُعذّبين في الأرض من مُواطني الأقطار المسحوقة.
أيّ عالم نعيش؟
أزمات تعقُبها أزمات منذ نهاية ثمانينات القرن المنصرم... تحرّرت البلدان الإشتراكية بشرق أوروبا وانسحبت من مظلة المُعسكر الشرقي، ثم تفكك الإتحاد السوفياتي وبتفككه إنهارت المنظومة الإشتراكية بعد التجربة الغورباتشوفية في ظل البيريسترويكا وفي إطار القلاسنوتس، ما جعل الرئيس الأمريكي رونالد ريغن يُعلن بنبرة انتصاريّة نهاية "الحرب الباردة" بين القوّتين العُظمتين. ثم دخلت الولايات المُتحدة الأمريكية في تنافُس حاد مع الإتحاد الأوروبي الناشىء بخصوص المواد الفلاحيّة، وحريّة المُبادلات التجارية ...
في الأثناء ظهرت أشباه أوبئة تُهدد الإنسانيّة، انطلقت  من خطورة تفكك طبقة الأوزون في بعض المناطق من الفضاء المُحيط بكوكب الأرض وُصولا إلى لدغات زيكا القاتلة، ومُرورا بوباء الإيدز و بإشكالية البُذور المُحوّلة جينيّا ،وبمشاكل الطاقة الجديدة والمُتجدّدة، وبجنون البقر،وبأنفوانزا الطيور، وبالأيبولا ....
فأيّ عالم نعيش؟
عالم، إذا ما استثنينا بعض أقطار أوروبا الشماليّة و شمال القارة الأمريكيّة، يعيش أزمات مُتفاوتة الحدّة ومُتعدّدة الأبعاد، سياسية، إجتماعيّة، أخلاقيّة صحيّة، إقتصادية، نفسيّة، غذائيّة ، أمنيّة ... في ظل حيرة ورداءة مُتفاقمتين يوما بعد يوم تنعدمُ معهما الثقة في مُستقبل يراه كثيرون قاتما، مُدلهمة آفاقُه ...
فما السبيل إلى الخروج من هذا النفق؟
ومن سيقُود مسيرة الإنقاذ؟
وكم من وقت تستغرق تلك العمليّة؟

mercredi 13 janvier 2016

دفاعا عن أمال القرامي

لو عُدتُ بذاكرتي عُقودا إلى الوراء،  لما تذكّرت مشهدا  عايشتُه  كشاهد عيان،  و تضمّن سيلا من اتّهامات وُجّهت  لمُفكّر ما، شبيها بالمشهد الذي  تابعتُ فعاليّاتُه  على قناة الحوار التونسي،  في برنامج كال فيه "اعلامي" لأمال القرامي ما لذّ وطاب له من أتّهامات مجانيّة وباطلة،  على مرأى ومسمع من ملايين المُشاهدين .
هو حدث مُؤلم في حد ذاته،  في بلد يُعد قادة الفكر فيه فئة  قليلة العدد، مُقارنة بمُواطنيهم بشكل عام،  ومُقارنة  تحديدا بالإنتهازيين والمُتشعبطين ومُبيّضي الأموال مشبوهة  المصدر،  وأشباه المُثقّفين وأثرياء الرياضيين وأصحاب بيع الأكلات السريعة، وكل الذين يستكرشون من مآسي دافعي الضرائب من العمّال والمُوظفين ... 
كم لدينا من مُفكرين أمثال محمد الطالبي وهشام جعيط و ألفة يوسف وعبد القادر المهيري ومحمد اليعلاوي والمنصف الشنوفي وتوفيق بكار وعبد السلام المسدّي وعمّار وعلي المحجوبي و راضي دغفوس ومحمد الهادي الشريف ومُنيرة شابوتو ويوسف الصديق،  والفاضلين الجعايبي والجزيري،  والرسامين كالتركيين  الهادي وزبيّر ومحمود السهيلي ، والموسيقيين أمثال القرفي وسعادة وابن علجيّة وابن عثمان،  واللّغوي عبد القادر المهيري وغيرهم،  حتّى نكيل لهم التّهم جزافا،  دون أن نُكلّف أنفُسنا الإطلاع على انتاجاتهم ونقدها- وهي ليست معصومة من ذلك- نقدا علميّا وموضوعيّا وبنّاء ؟

 
أمال القرامي

هذا ما حدث مع المُفكّرة أمال القرامي ... المرأة نُكبت مرّتين في ظرف زمني وجيز ... اُهينت في أحد مطارات البلاد المصريّة من غير أن نشعُر بأن السّلطات التونسيّة ردّت الفعل بجديّة، أو  نسمع بوقوف المُثقفين والمفكّرين مُجرّد وقفة احتجاجية رمزيّة أمام مقر السفارة المصريّة – وهذا لعمري أضعفُ الإيمان-، واستُهدفت ،  وفي بلادها،  بنقد شديد ومُغرض من احد المحسوبين على القطاع الإعلامي،  الذي عمد إلى" تحريك المُدية في الجرح" بتقزيمه قامة فكريّة تجاوزت شُهرتُها الحُدود الوطنيّة ...
والأنكى أن شبه الإعلامي هذا قد بدا في حالة غريبة من التشنّج بلغت حد الهستيريا، شاهرا "سيف سيدنا علي" ومُدافعا عن "عرض الرسول"،  الذي بدا له ان المفكّرة قد مسّت منه بكتاباتها العديدة ، والتي لم يطّلع على أكثر من  فقرة منها، استشهد بها بعد أن أخرجها من سياقها،  وتتعلّق  بموقف بعض الفقهاء من إمامة المرأة الرجال في الصلاة،  وما يُمكن أن يثير  سُجودها  أمامهم من ايحاءات جنسيّة .
 ألا يعلمُ أن  الصلاة لا يفترضُ أن يتقدّم المرء للقيام بها من دون أن يكون قد انسلخ  عن  عالم الماديّات، لينطلق مُحلّقا في فضاء الروحانيّات الرحب،  لا  يرى فيه  غير ربّ  يتعبّد بين يديه،  ويُقدّم له آيات الولاء والعرفان بعظمته ويحمدهُ ويشكرُه على ما حباه به .
ليس غريبا ان يكون موقفه غير هذا الموقف، وهو الذي أشك في اطّلاعه  على كُتُب "الآخرين" ليستنير بها،  فلا  يعتبرها كأشباههه –وهم كثر- من" كتابات الكفار" التي لا ينبغي الإطلاع عليها،  كما ذكر لي ذلك  يوما أحد المُشرفين على مكتبة بأحد انهُج العاصمة بعد أن طلبتُ منه  كتاب غزّة للمُفكر محمد الطالبي ...
رُبّما يكون أحد  أولئك الذين يُنسبون أنفُسهم إلى فئة المُثقفين من  الذين سجنوا أنفُسهم في كُتب التراث الإسلامي من دون إدراك لمقاصد مضامينها ؟
وقد يكون من الذين يؤولون النصوص الدينية، النصوص التأسيسية على حد تعبير المُفكر محمد أركون، بفكر مُتكلّس، مُقتصرين على الظاهر من معانيها ...
أو لعلّه أحد أولئك الذين اعتبروا الشابي مُلحدا ومُتهجّما على الإرادة الإلهيّة عندما أكّد على أن إستجابة القدر ليست سوى نتيجة حتميّة لإرادة الشعوب في الإنعتاق والعيش الكريم؟
وربّما هو  أحد أولئك الذين لم يُغادروا "السقيفة" بعدُ، وبقي يُراوحُ مكانه دون أن يعبأ بصيرورة التاريخ، واطلع بالكاد على بعض المآثر التي لم تتجاوز حدود ابن تيميّة والمودودي والسيد قطب وحسن البنا وأبو الرشتة وبغدادي الدواعش وصاحب إدارة التوحّش؟
فهل اطّلع يوما على فكر المعرّي وإخوان الصفاء والمُعتزلة ... وعلى كتابات جون بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبار كامو، وألتوسار وماكسيم غوركي وماكسيم رودانسون وفرانس فانون وبوحديبة، ومن قلبلهم ماركس وهيجل ونيتشة وديدرو وروسو وفولتير، ورجاء غارودي ومنتغمري وات ... أي أولئك الذين مدوا القرّاء بمفاتيح الفهم الموضوعي ؟

نيتشة وماركس وهيجل
وقبل كل هؤلاء،  هل اطلع على فكر أرسطو وسقراط ومسرحيّات سوفوكيليس؟
وربّما لم يُواكب فعاليّات  الحركة الفكرية العربيّة في العُقود الأخيرة ولم تعترض سبيله كُتُب نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي ونظيرة زين العابدين ونصر حامد أبو زيد والجابري والشرفي ...
لو أتيح له ذلك،  ولو توفّرت لديه  رغبة في تأثيث زاده المعرفي،  لما أصدر أحكاما ذاتيّة، تُدين كتابات وتصريحات المُفكرة أمال القرامي،  ولما عصر الأسف قلبه الضعيف على وزير الشؤون الدينيّة الأستاذ عثمان بطّيخ ...
مُؤسف أن يكون هذا الإعلامي سليل من قتلوا الحلاّج وابن المُقفّع ، وضربوا إمام المدينة  مالك حتى الموت، واستهجنوا بابن عربي ، وأحرقوا كُتب ابن رُشد قبل أن يُهجّروه...
ومُؤسف أن يكون من أحفاد من طعنوا  طه حُسين، اغتالوا فرج فودة، وطلّقوا أبو زيد من زوجته، وكفّروا المسعدي ونادوا بمنع تدريس نصوص علي الدوعاجي في المدارس، وأهدروا دم محمد الطالبي أو كادوا بعد أن اتهموه بكونه الشيطان الأكبر، وإلا لما كان له أن أن يعتبر أمال القرامي من صانعي الإرهاب ومن المُعتدين على "عرض الرسول" الأكرم  دون إثباتات دامغة ...
ان ما أتاه يتناغم تمام التناغُم مع ما قامت به جماعات هاجمت ذات يوم  المسرحيين والفنانين، واعتبرت الفن بكل فروعه حرام، وتهجّمت على قاعة لعرض الرسوم التشكيليّة، وحطّمت واجهة قاعة أفريكارت لعرض الأفلام مُحتجّة على عرض فيلم"لا ربي لا سيدي"، وحاولت إغتيال صاحب قناة تلفزيّة عرضت فيلم برسيبوليس الذي  اعتبروا أحد مشاهده مسّا من الذات الإلهيّة  ...
جماعات تُعادي الثقافة والفكر وتغتال العقل، وتعترض سبيل كل مُبدع،  دعواها في ذلك أن "كل بدعة فتنة وكل فتنة ضلالة وكل ضلالة في النّار" ...
جماعات تأتي الشيء ونقيضه، مُهتزّة الشخصيّة، تعيش انفصاما صارخا، عاجزة عن الإبداع، لا تُؤمن وبحق الإختلاف، ولا بحريّة التعبير ...
جماعات تُعادي المرأة وتعتبرها"  ناقصة" الحُقوق و"مُكمّلة" للرّجل ...  تنزع عنها حُقوقها الكونيّة ولا تعتبرها غير وعاء جنسي لإشباع حيوانية الرجل و لم تتصالح يوما لا مع أجسادها ولا مع جسد المرأة...
جماعات لا ترى في الآخر المُختلف عنها رأيا ومُعتقدا غير عدو،ّ  تُصبحُ معارضتُه وقتلُه فرض عين، وإن لم تستطع فإقصاؤهُ وتهميشُه يُعد من  أضعفُ الإيمان...
جماعات انانية وجاهلة ... لم تتوصّل إلى تحديد العلاقة بينها وبين الآخر ولا تزال مُتخبّطة تعيش ضبابية الرؤية،  ولم تُعرّف إن   كانت تلك العلاقة هي علاقة تعايُش وتواصُل،  أو علاقة نبذ وإقصاء وتهميش ...
جماعات لا تزال تعتقد أن كل ما هو خارج ديارها انما هو "دار حرب" و تُحلّل مُقاومة مُتساكنيها ...
جماعات لا تزال تعتقد أنها "أفضل أمّة أخرجت للناس"، بينما تُشير كل المؤشّرات إلى أنها قابعة في الدرك الأسفل من الحضارة الإنسانية ...



جماعات لا تُؤمن بضرورة تجسير العلاقة مع من يختلف معها على أسس التواصُل والحوار والقبول والتفهّم ...
وليست هذه الجماعات جديدة، بل عُرفت في التاريخ العربي الإسلامي وفي التاريخ العالمي إجمالا، ولئن كانت تعمدُ في القرون الأولى لتاريخ المسلمين، إلى إدراج كل اختلاف في خانة الزندقة، فانها أصبحت اليوم تُشهر اتهامات الكُفر والإلحاد والردّة لقتل الفكر ...
أليس الفكر طائرا مُجنّحا في سماوات الحريّة والإبداع، ونغتالُه لو وضعنا لهُ حُدودا ووشّحنا طريقهُ بالتابوهات، ومنعناهُ من الجدال فيما يراه البعض مُقدّسا، باسم منظومة فكريّة وضعها آدميّون على أسس تتماشى ومصالحهم ولا تخدمُ غير الماسكين بمقاليد الأمور، بدءا  بذريعة أحقيّة "أهل البيت" ووصُولا إلى ذريعة"الأمن القومي" ...
ذرائع ما أنزل الله بها من سُلطان تُستعمل للحفاظ على مصالح ما،  وللضحك على ذقون السواد الأعظم ...
مُؤلم حقا ان ينتصب "إعلامي"، ليُروّج لفكر ظلامي، يعيشُ خارج التاريخ، ويُكيل التّهم بغير حُجج منطقية وعقليّة وتاريخيّة،  لمُفكّرة من بنات  بلده، و في قناة أجنبيّة، ويُدرجها ضمنت المُتهجمين على الرسول الأكرم ، في حين نعلم كلنا ما الذي حدث للذين اتُهموا بذات التهمة من صحافيي جريدة شارلي هبدو الفرنسيّة منذ سنة ...
فهل يدعو بذلك بشكل  غير مُباشر إلى إهدار دمها؟؟؟
قالت العرب قديما: لا يستوي الظل والعود أعوج ...
وقال مولانا جلال الدين الرومي من جملة ما قال:
-      المرء مع من لا يفهمُه مثل السجين.
-      -إن هذه الحياة أقصر من شهقة وزفيرها ... فلا تغرس بها سوى بُذُور المحبّة .
-      -كُنت فجّا ... فنضجت فاحترقت.
-      أما امال القرامي وامثالها من مُفكري بلدي فهم أكبر من الذين يحرثون في البحر ..