dimanche 21 juin 2015

كلام في المثليّة الجنسية، الجزء الثاني و الأخير

الزناء والشذوذ في التاريخ العربي للخطيب العدناني أحد المراجع التي اعتمدت عليها

3 ) المثليّة الجنسيّة في المُجتمعات العربيّة
عرف المُجتمع العربي المثليّة الجنسيّة ، أنثويّة كانت أو ذُكوريّة ، بقدر ما عرفتها المُجتمعات الأخرى..
ويُرجعُ كثير من الدارسين ظُهُور المثليّة الأنثويّة، السحاق، إلى هند بنت عامر زوجة النعمان بن المُنذر بن امرىء القيس والتي تُعتبرُ " رائدة السّحاق العربي" عند البعض منهم. وكان المُنذر زوجها من أشهر مُلوك المناذرة في مدينة الحيرة وذلك بعد أن أهلك الله قوم لوط.
يقول الأصبهاني :"إنّ أوّل من سنّت السحاق عند العرب نساء قوم لوط لمّا شاع بين رجالهنّ إتيانُ الذكور وهجرهم النّساء، فلمّا اشتدت شهوتُهنّ أخذن يتضاربن بالأرداف فوجدن لذّة في ذلك، ثم ألصقن الردف بالشراح فكانت أكثر لذّة. ثم دلكن الشراح بالآخر، فتصدم النواة بالنواة والهنّات بالهنّات فتنزلان الماء، ولمّا أهلك الله قوم لوط انقطع اللواطُ والسحق.
ويُقدّمُ لنا الأصبهاني رقاش بنت الحسن اليمانيّة على أنّها الطرف الذي مارست معه هند السحاق فيقول:" جاءت رقاش هندا بنت عامر بن صعصعة زوجة النعمان بن المُنذر وافدة عليها فأنزلتها عندها، وكانت ذات حُسن ونضارة فشغفت بها، وكان النعمان يغزو فيغيبُ عن امرأته، فتكون هي ورقاش على فراشه، فربما التصق جسداهما، فوجدتا لذّة لطول العزوبة حتّى استدلّتا على طريق المساحقة وأصبحتا كزوج وزوجة، وبلغ من الشغف لكل واحدة بالأخرى انّه لمّا ماتت ابنت الحسن اعتكفت امرأة النعمان على قبرها واتخذت الدير المعروف بدير هند في طريق الكوفة."
أما اللواط فقد أجمع المُهتمّون بالدراسات التاريخيّة على أنّه عُرف في العهد الأموي والعبّاسي والمملوكي...
ولئن ذكرت لنا المصادر بعض الأمثلة من المثليّين الجنسيّين من الذكور في آخر العصر الجاهلي وفي صدر العهد  الإسلامي فإنّ عدد المثليّين أصبح مُلفتا في العصر الأموي وخاصّة في العصر العبّاسي الذي أعتُبر بدون مُنازع " عصر الجواري والغلمان". وكذلك الشأن بالنسبة للعصر المملوكي في مصر والعصر الحُسيني في تونس على سبيل المثال.
لقد كان لمُلوك العرب وأمرائهم عشرات ومئات، بل قل آلاف الغلمان يتّخذونهم خدما وندامى، يلعبون معهم الشطرنج ويختلون بهم، واشتدّ ببعضهم " عشق" الغلمان إلى حد التنافُس في اقتنائهم وحتّى " صيدهم " واختطافهم في بلاد الترك أو الرّوم، وكانت تُدفعُ الأموال الطائلة لإقتناء الغلمان" وكلّما كان الغُلام أجمل كان سعرُه أغلى وأعلى ".
لقد ضُبطت مقاييس ومُواصفات دقيقة، تتمّ حسبها عمليّة اقتناء الغلمان ووضعت قائمة المُواصفات التي على أساسها يُقتنى هذا الغُلامُ، وكان الإقبالُ أكثر على:" الغُلام الأهيف القوام، الرّخيم الكلام، المراهق الفائق في الجمال، الرّائق السُّمرة، البديعُ الحُمرة، أدعجُ العينين، مُورّدُ الوجنتين، مُختطفُ الخصر، نقيّ الثغر، الذي تجاذبه الأردافُ وتهزّهُ الأعطاف."
وتُشير بعض الدراسات إلى أهميّة دور اللفُرس في دفع الإقبال على اللّواط في العصر العبّاسي، لكن يبقى الموضوع محلّ بحث مُعمّق و موضوعي، خال من التحامل الطائفي أو العرقي.
وفيما يخصّ العصر العبّاسي فان الدكتور صلاح الدين المنجد يُؤكّد ظاهرة المثليّة الجنسيّة الذكريّة  فيقول:" وازدهرت مهنة البغاء واللّواط في بغداد ازدهارا واسعا حتى جعلوا لكل منهما آدابا يسيرون عليها ويجبُ تعليمُها واتباعُها، وألّفت فيها كُتُب كثيرة كلّها سخف ومُجون... وصار كل فريق يدعو إلى مذهبه فقامت المُظاهرات بين الغلمان والجواري، فقد ألّف الجاحظ مُفاخرة نظريّة بين صاحب الجواري وصاحب الغلمان، كما تقُومُ مُفاخرات فعليّة في مجالس اللّهو والخلاعة بين غُلام فيحتجّ كلّ منهما على الآخر بما عندهُ من مُواصفات جنسشيّة يكشفُها للحاضرين ليُثير غرائزهم وينشُر الدعارة فيهم."
ومن أشهر المثليّين في العصر الأموي:
* الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك والذي قال فيه السيوطي:"ولمّا قُتل وقُطع رأسُه ... نظر إليه أخوه سليمان بن يزيد فقال: بُعدا لهُ، أشهدُ انّه كان شروبا للخمر، ماجنا فاسقا ولقد راودني عن نفسي."
امّا الذهبي فقد قال فيه:" لم يصحّ عن الوليد كُفر و لا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتلوّط."
وفي العصر العباسي أصبحت ظاهرة التلوط القاسم المُشترك اعديد الخُلفاء.
يذكُر الطبري أن الخليفة الأمين:" طلب الخصيان وابتاعهم وغالى بهم وصيّرهم لخُلوته في ليله ونهاره... ورفض النساء الحرائر والإماء."
ويذكر السيوطي على لسان ابن جرير وغيره ما يلي:" لمّا ملك( الأمين) وجّه إلى البُلدان في طلب الملهين، وأجرى لهم الأرزاق ... واحتجب عن أهل بيته وعن امرأته..."
وتُجمع المصادر على شدّة تعلّق الأمين بغلام له اسمُه كوثر، أصيب مرّة في معركة برجمة في وجهه فجعل الأمينُ يمسحُ الدم عن وجهه ويُنشد:
                             ضربُوا قُرّة عيني       ومن أجلي ضربُوه

                            أخذ الله لقلبــــــــــي     من ناس أحرقُـــــوه
وفي مُناسبة أخرى قال فيه:
                           ما يُريد النّاسُ من ض   ب بمن يهوى كئيب

                          كوثر ديني ودُنيــــــــــا   ي وسُقمي وطبيبـي

                         أعجز النّاس الذي يلــح    ى مُحبّا في حبيــب
ويُروى أن أم الأمين قد حاولت ثنيهُ عن تثبته بالغلمان فأحضرت له فتيات يتشبّهن بالغلمان 
فأعرض عنهُنّ.
أخوه المأمون رغم ما يُذكر عنه من حبّه للنساء إلا انّه تعلّق بالغلمان. ويّذكر انه نظر مرّة إلى احد الغلمان فسأله: ما اسمُك؟ فأجابهُ: لا أدري، فقال: لم أر مثل هذا وانشد:
                      تسمّيت لا أدري لأنّك لا تدري        بما فعل الحُبّ المُبرح في صدري.

وفي ولايته اشتهر قاضي القُضاة يحي بن أكثم بتعلّقه بشابين حتى أن أبا نُواس نظم فيه أبياتا كانت سببا في عزله منها:
                      أنا الماجنُ اللّوطي ديني واحد      وإني في كسب المعاصي لراغب

                     أدينُ بدين الشيخ يحي بن أكثم      وإني لمن يهوى الزنا لمُجانـــــبُ

وللإشارة فان النواسي قد امتدح المثليّة الجنسيّة في مقاطع عديدة من قصائده ومنها ما يقول في أبي عُبيدة النّحويّ المُحبّ للغلمان:
                    صلّى الله على لوط وشيعته      أبا عُبيدة قُــل بالله : آميــــــنـــــا

                   لأنّك عندي بلا شكّ زعيمهم      منذ احتلمت ومنذ جاوزت الستين

وجاء في مُروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي أن الخليفة المُتوكّل جمع أربعة آلاف من الأتراك اشتراهم من مواليهم وأغدق عليهم أفخر الألبسة وأثمن أنواع الديباج والحُليّ.
الخليفة المُعتصم بالله الذي اشتهر بضربه الإمام أحمد بن حنبل سنة 220 هجريّا ، عُرف بدوره بتعلّقه بالغلمان وبالتصاقه بغُلام اسمُه عجيب، قال فيه أشعارا كثيرة.
أما الخليفة الواثقُ فقد كان له غُلام أهدي له من مصر كما كان يهوى خادمين يقُوم كل واحد منهما على خدمته يوما وقال فيهما:
              قلبــــي  قسيم بين نفسيــــــن      فمن رأى روحا بجسميــن؟

              يغضب ذا إذا جاد ذا بالرضى      فالقلب مشغول بشجويـــن

وفي سياق حديثه عن الخليفة المُقتدر بالله يقول السيوطي:" وكان في داره أحد عشر ألف غُلام خصيان غير الصقالبة والرّوم والسّود."

لقد امتدت ظاهرة المثليّة الجنسيّة إلى العصر المملوكي في مصر باعتراف الشّاعر الوردي الذي كتب:
            من فال بالمرد فاحذر أن تُصاحبه      فإن فعلت فثق بالنّار والعـــــــار

           بضاعة ما اشتراها غير بائعهـــــا      بئس البضاعة والمُبتاع والشّاري

          يا قومُ صار اللّواطُ اليوم مُشتهرا       وشائعا وذائعا مـــن غيـــر إنكــار

وأمام هذا التمدد والإنتشار علينا أن نتساءل عن موقف الأديان عُمُوما والدين الإسلامي تحديدا منها.

4 ) الأديان السماويّة والمثليّة الجنسيّة
كلّ الأديان السماويّة تقريبا تُدين الظاهرة المثليّة وتعتبرها مُنافية للفطرة البشريّة.
لقد جاء في اليهوديّة آراءئ مُختلفة غير أن الأغلبيّة الأغلبية اليهودية من الأرتدوكسيّين يُنادون بمنع " الأفعال الجنسيّة بين أفراد من نفس الجنس"، بينما يترُك الإتحاد من أجل إصلاح اليهوديّة الخيار للحاخامات .
أما المسيحيّة فان أغلبيّة كنائسها تُعارضُ العلاقات الجنسيّة بين المثليّين باعتبارها مُنافية للخُطّة الإلاهيّة في الزواج والخلقة ومُخالفة للفطرة، مُعتمدة في ذلك على قول يسوع :" من بدء الخليقة ذكرا وأنثى خلقهما الله ، من أجل هذا يترُك الرجُلُ أباهُ وأمّهُ ويلتصقُ بامرأته."
 وقال البابا بنديكت السادس عشر:" زواجُ المثليّين خطر على مُستقبل البشريّة"

موقفُ الدين الإسلامي من المثليّة، الذكورية تحديدا أكثر وُضوحا، بينما نُلاحظ باستغراب غياب نصّ صريح يُحرّمُ المثليّة الأنثويّة، مما يفتح باب التأويلات والإجتهادات على مصراعيه أمام المُجتهدين رغم تمسّك البعض منهم بتحريمها إعتمادا على سورة المُؤمنون، الآيات5-7 إذ يقولُ تعالى:


في باب الأحاديث النبويّة فان كُتُب الحديث تُقدّم لإبن عبّاس حديثا ضعيفا عن النبى صلى الله عليه وسلم مضمونه:" من وجدتموه يعملُ عمل لُوط فاقتُلوا الفاعل والمفعول به."
وروى أبو هريرة عن الرسول فقال:" نهى رسولُ الله أن يحد الرجُلُ النظر إلى الغُلام الأمرد".
يتّضحُ إذا أن الله قد قدّم لنا في كتابه موقف الرّفض بكل وُضوح لمن " يفعل الخبائث"، وتوعّدهم بالعقاب.
غير أن مسألة العقوبة المُترتّبة عن فعل اللّواط  والسحاق يعتريها الكثير من الضبابيّة ممّا يفتح أبواب إجتهاد العلماء حولها، اجتهادا يكتسي العديد من التناقُضات ويتراوحُ بين القتل كما ورد في حديث ابن عبّاس و"خسف الأرض" كما ورد في النص القرآني.
التذبذُب ذاته نجدهُ بين المذاهب الدينيّة.
فُقهاء المذهب الشيعي  يتمسّكُون بحُكم القتل لمُمارسي المثليّة الجنسيّة، ذُكوري’ كانت أو أنثوية،  سندُهم في ذلك بعض النصوص القرآنية منها تلك التي تذكُر " أصحاب الرس " والتي اعتمدها الإمام جعفر الصادق أحدُ أئمة الشيعة الإثناعشريّة عند مُجادلة إحدى النساء لهُ جاءت تسألُه عن حد السحاق نأجابها بقوله:"حدهُ حدّ الزنا"، فلم تقتنع وردّت عليه بقولها:" ما ذكر الله عزّ وجلّ ذلك في القرآن"فقال لها :"بلى" فقالت:"وأين هو؟"فأجاب:"هنّ أصحابُ الرس"
أهل السنّة والجماعة أجمعوا على تحريم السحاق تحريما لا يخلو من مرونة.
الحنفيّة كانوا مُتشددين إذ اعتبرةا ان مُجرد تماس الفرجين من جهة القبل أو الدبُر يُنقض الوضوء ولو كان بلا بلل. ويُوافقهم المالكيّة في ذلك ويُضيفون  أن مُجرد مس امرأة الأخرى بشهوة كاف  لنقض الوضوء، ويُشاطرهم الحنابلة والشافعيّة ذات الرّأي..
أوبخصُوص اللّواط فان المُفسّرين يعتمدون على النصّ القرآني وعلى الأحاديث النبويّة منها الحديثُ الذي رواهُ أبو بكر الحضري عن ابن عبد الله عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال:" من جامع غُلاما وأوقبهُ جاء يوم القيامة جُنُبا لا يُنقّيه ماءُ الدنيا، وغضب الله عليه ولعنهُ وأعدّ لهُ جهنّم وساءت مصيرا."
ويعتمدون كذلك على مواقف الخُلفاء الراشدين إزاء قضايا المثليّة الجنسيّة، فهذا أبو بكر الصديق يحرقُ لوطي وكذلك فعل الخليفة الأموي هشام بن الوليد وخالد القسري بالعراق.
وفي باب الإجتهاد فقد اقترح القرطُبي إنزال العُقوبات الصّارمة على المثليّين فاعلين أو مفعولا بهم كما حدث لأهل سدوم والقرى التي حولها حين انتشر فيهم فعل الفاحشة، فأٍرسل الله لهم نبيّهُ لوط وحين لم يسمعوا لوعضه ونُصحه خسف بهم مدائنهم.
امّا الذهبي فيروي عن ابن ماجة وعن الترمذي والحاكم أ، النبيء صلى الله عليه وسلم قال:" أربعة يُصبحُون في غضب الله ويُمسُون في سُخطه" قيل من هم يا رسول الله؟ قال:" المُتشبّهون بالرجل من النساء والمُتشبهات بالرجال من النساء والذي يأتي البهيمة والذي يأتي الذكر."
وروي الترمذي وابن ماجة عن جابر بن عبد الله أن الرسول قال:" إن أخوف ما أخافُ على أمّتي عملُ قوم لوط".

هذه الأحاديث وكذلك حكم القرآن فيما يتعلّق باللواط تنفي نفيا قطعيّا ما تذهب اليه بعض المواقع الإلكترونية التي تسعى جاهدة إلى تظليل ناشئة تفتقر إلى خلفيّة ثقافية متينة، وغسل أدمغتها بأحاديث ضعيفة وموضوعة عن الرسول والصحابة والخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين، استنادا إلى بعض كتب من  الثراث الإسلامي شيعية الهوى و إلى بعض كتب السير والسّنن والطبعة الهندية القديمة لكتاب صحيح البُخاري وبعض كتب التفسير.ولقد جاء على سبيل الذكر في  كتاب المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، الجزء 3 صفحة 160، لإبن قدامة المقدسي، نشر دار الفكر، بيروت1405 هجريا، ان" اللواط والوطء في الدبر لا يُفسدُ الحجّ"، وهذه فتوى لا تستوجب أي تعليق بعد ان بيّن الله في كتابه موقفهُ من أعمال قوم لوط.
ولئن قدمتُ بعض الأمثلة لمثليّة بعض الخلفاء الأمويين فذلك لا يعني ضرورة أن الفاحشة كانت مُتفشّية في كامل  المجتمع العربي الإسلامي من قمّته إلى قاعدته ، انما غاية ما في الأمر اني سلّطت بعض الأضواء على تاريخ ظاهرة كثر الحديث عنها في الأسابيع الأخيرة في البلاد، لا أهدف من ورائها إلى غير المعرفة العلميّة الجادة والموضوعية.
لذا فاني حريص على لفت أنظار ناشئتنا إلى خُطورة بعض المواقع الإلكترونيّة التي تزرعُ الفتنة وتتبُثّ الشكّ في سيرة رجال قدّموا للحضارة العربيّة الإسلاميّة ، وللحضارة الإنسانيّة الكثير.
ومهما يكُن فإنّ الرأيُ عندي إخراجُ مسألة المثليّة الجنسيّة من خانة " المُقدّس" أو التابوهات وتناولها بالدراسات العلميّة عوضا عن تجاهُلها وإلقائها في سلّة اللاوعي الجمعي والإقتصار على التلميح لها بين الحين والآخر في بعض الأعمال الفنيّة "الجريئة" نسبيّا.
إن الموضوع لجدير بأن يحظى باهتمام علوم عدة كعلم النفس وعلم الاجتماع والبيولوجيا والحضارة وعُلوم التربية... لنتمكّن من تشخيص معالمه و تحديد أبعاده وفهمه فهما علميّا صحيحا وإدراك الميكانيزمات التي تقف وراء الظاهرة أنثوية كانت او ذكورية، بعيدا عن الأحكام المسبقة  عن الإضطهاد والتصفيات الجسديّة كما هو الشأن في أوغندا ، و رفض مواقف الحقد والكراهيّة والمُعاداة الإجتماعيّة والإقصاء لمن يختلفُ سلوكُه عن سلُوك الأغلبيّة بسبب جهل دوافع ذلك السلوك إن كانت مُكتسبة أم بدافع من عوامل جينيّة.

5) أشهر المثليين في تاريخ العرب
من أشهر المثليّين الجنسيّين من العرب، فاعلين كانوا أو مفعولا بهم، منذ منطلق الدعوة الإسلاميّة إلى العصُور اللاّحقة، نذكُرُ بعض الأمثل:
- أبو الحكم بن هشام المخزومي، وكان من المُشركين المُناوئين لرسول الله (صلعم)
- عُقبة بن أبي مُعيط، ذاك الذي بصق في وجه محمد (صلعم)
- الحكم بن أبي العاص الذي كان يتجسّسُ أخبار الرّسول في خلواته مع نسائه ويُحاكي مشيته وحركاته أمام المُشركين ليضحكوا عليه فما كان من الرسول إلا أن أطردهُ مع أسرته من المدينة.
- صابر بن الأسود الذي هاجم ابنة الرسول زينب وهي على الجمل وهزّ الرّمح في وجهها ممّا أفزعها وتسبّب في إجهاضها.
- هشام بن الوليد بن المُغيرة والنضر بن الحارث، وكانا ضمن زُمرة من تآمروا على الرسول في بيت الندوة وخطّطوا لقتله.
- علي بن الجهم وكان بدوره مُناوئا لرسول الله.
نلاحظ أن كل هؤلاء كان من أعداء الإسلام ومن المُعارضين لرسول الله(صلعم)، وهذا ما يُثير احترازنا.
وإلى جانب أولئك الذين عُرفو كمثليين من الحكّام اشتهر عديد الشعراء والأدباء بسُلوكهم المثليّ من بينهم أبي العلاء المعرّي وأبي العتاهية وأبي نواس وابن الرّومي وغيرهم كثر.

6) الوقاية والعلاج
حديث كثير يقال حول انتشار المثليّة الجنسيّة في عديد الأقطار العربيّة في العصر الحديث كاليمن والأردن و‘ُمان وغيرها من الأقطار، تدل على ذلك عديد القضايا المنشورة في المحاكم. وللإشارة فإن أكثر الأوساط التي تكثُر فيها الظاهرة إيّاها هي المبيتات المدرسيّة والسّجون والثطنات العسكريّة.
ولئن اختلفت العقوبات من بلد إلى آخر، بين السجن والتصفية الجسديّة والإقصاء من المُجتمع باعتبار المثلية انحراف عن القاعدة، فانّ بلدانا أخرى سعت إلى دراسة الظاهرة دراسة علميّة واجتهدت في البحث عن أسبابها وعن دوافعها البيولوجيّة والنفسيّة والمُجتمعيّة لفهمها وتصنيفها إمّا ضمن السلوكات المُكتسبة التي تُعتبر نتيجة لدور العوامل البيئيّة التي تُحدد مُيول الشّخص أو اعتبارها ظاهرة وراثيّة تُحددها الجينات المُكوّنة لشخصيّة الإنسان والتي لا قُدرة لهُ على تغييرها كعجزه عن تغيير لون عينيه أو لون بشرته أو شكل أنفه...
ولقد ظهرت في المُجتمعات الغربيّة عديد المُنظّمات التي تدافع عن حقوق الأقليّات الجنسيّة على غرار جمعيّة شمس التي ظهرت في تونس في الأسابيع الأخيرة والتي أثار ظُهورُها نقاشا متشعّبا وطويلا في مُختلف مُكوّنات المُجتمع المدني والجمعيّات الدينيّة.
وتبقى الأوليّة في رأيي لمُعالجة هذه الظاهرة وضع برامج تربويّة ونفسيّة تهدف إلى فهمها لا إلى الحُكم لها أو عليها، وتناوُلها من زاوية التسامُح والإيمان بحقوق الإنسان التي هي كلّ لا يتجزّأ حتى يتمّ حصرُها في حُدودها الدنيا دون إثارة أو تحامُل أو إقصاء

lundi 15 juin 2015

كلام في المثليّة الجنسية الجزء الأول


مسيرة في تونس في مارس أثارت الكثير من الضجة 
Source : http://360.ch/blog/magazine/2015/03/les-lgbt-tunisiens-bien-decides-a-montrer-quils-existent/


تناولت مُختلف وسائل الإعلام، المكتوبة والمرئيّة، والسمعية منها بدرجة أقل، في الأسابيع الأخيرة، موضوعا اكتسى حوله الجدال أهمية كبرى واتسم بتناقض المواقف واختلافها بين مُؤيّد ومُتسامح ومُعارض بشدّة ، ألا وهو موضوع المثليّة الجنسيّة بعد ان منحت الكتابة العامة للحكومة ترخيصا بالنشاط ل"جمعيّة شمس".
في الحقيقة لم يكن الإعتراف بنشاط جمعية مدنيّة ليُثير مُعارضة أو إحتراز أو رفض بعض الأطراف في بلد تدعي نُخبتُه السياسيّة تحديدا، والفكريّة عامة الدّفع نحو تأسيس مُجتمع مدني وبناء دولة القانون والمُؤسّسات، التي تُصبح فيها حريّة التعبير مُتاحة لكلّ فرد ويضمنُها الدستور الضامن كذلك لحريّة الضمير، لو لم يُصرّح المسؤول عن الجمعيّة خلال برنامج تلفزيّ بأن " حوالي أربعين بالمائة من التونسيين مثليين" حسب رأيه، ممّا أقام منابر النقاش ولم يُقعدها، وحوّل التعليق على هكذا جمعيّة تهدفُ إلى "حماية الأقليّات الجنسيّة" إلى موضوع السّاعة في مُختلف المُستويات الإجتماعيّة تقريبا.
ولفت نظري تعليق أحد الحرفيّين من أصدقائي، أقضي في ورشته من حين إلى آخر بعض الوقت لتبادل الآراء حول شتى المواضيع، إذ قال وهو في حالة غضب لم أعهدها لديه: "لا بد من الحُكم بالإعدام على المثليّين الجنسيّين الذين تُدافع عنهم جمعيّة شمس، أسوة بما  قام به أسيادُنا من الخُلفاء العظام في عصر قوّة الدولة الإسلاميّة".
استفزّني هذا التعليق ودفعني إلى طرح جملة من الأسئلة لعل الإجابة عنها تُساهم في بلورة مسألة حرّكت الشارع التونسي حراكا لم يُخفّف من حدته سوى حملة" وينو البترول"، وتُخفّفُ من موجة الإنفعال والتشنّج  الذين يجعلاننا نسقُط عن لا وعي في مُستنقع الذاتية ونجانب الموضوعيّة.
 هذه الأسئلة هي:

ما هو تعريفُ المثليّة الجنسيّة ؟
- ما هو تاريخ المثليّة الجنسيّة؟ وما هو موقف المُجتمعات منها؟
- هل عرفت المُجتمعات العربيّة المثلية الجنسيّة قبل وبعد الإسلام؟
- ما هو موقف الأديان السماوية وتحديدا الإسلام من المثليّة الجنسيّة؟
- من هم أشهر المثليّين العرب؟
- هل من وسائل للوقاية ولمُعالجة المثليّة الجنسية؟

1) المثليّة الجنسيّة: تعريفُها ونظرة المُجتمعات لها
كثيرة هي تعريفات المثليّة الجنسيّة، إلا أنّ قاسمها المُشترك هو أنّها تتمثّلُ في في العلاقات والمُمارسات الجنسيّة بين طرفين ينتميان لنفس الجنس وأنها مُنافية للفطرة البشريّة .ولا تكتسي المثليّة الجنسيّة  معناها الحقيقي بميل طرفين من نفس الجنس وانجذابهما لبعضهما البعض  فقط بل لا يكتمل ذلك المعنى إلا بمُمارسة الفعل الجنسي.

2) المثليّة الجنسيّة في التاريخ
لازمت ظاهرة المثليّة الجنسيّة الإنسان مُنذُ أقدم العصور، وعرفتها المُجتمعات البشريّة مُنذ أن وُجد الإنسان على سطح الأرض. كل المُجتمعات قديمها وحديثها، البدائيّةُ منها والمُتحضّرةُ بما فيها مُجتمعات ما بعد الصناعية والتي غزتها التكنولوجيا العالية وغمرتها الرقمنة والتطبيقات المعلوماتيّة الحديثة والمُستحدثة يوميّا، كُلّها وبدون استثناء عرفت الممارسة الجنسيّة المثليّة التي ستُلازمُ الجنس البشري ما دام لهذا الجنس حضور على كوكب الأرض.
المُلفتُ أن كل ما يمتّ للجنس بصلة كان إلى وقت قريب ولا يزال في العديد من المُجتمعات، يُعتبر من التابوهات التي يعسُر الحصول على بيانات حولها لدراستها، وذلك لأسباب عدّة من بينها الطابع الشخصي للعمليّة ذاتها من ناحية، وودُخولها في خانة الحُريّات الفرديّة، ومن ناحية أخرى موقف المُجتمعات ونظرتها للعمليّة على أنّها سُلوك شاذ ينبُذهُ المجتمع الإنساني لل"عار" الذي يُلحقُه بفاعله وبذويه. لذلك لم يكُن من المسمُوح به الإفصاح عنه،ـ وإذا ما تُفُطّن له فإنّهُ يُدانُ ويترتّبُ عنه إنزالُ أقصى العُقوبات بفاعله إستنادا إلى نُصوص دينية أو وضعيّة.
ولئن يُفيدُنا تاريخُ البشريّة بإدانة المثليّة الجنسيّة عبر التاريخ إلا انهُ يُعلمُنا أيضا أن هكذا مُمارسة لم تكن منبوذة في كلّ مراحل التاريخ وفي كل الحضارات. لقد كانت المثليّة رائجة في حضارات ما بين النهرين وفي الهند والصين ومصر في القديم. ففي اليونان حظيت بالتقدير وهو ما نستنتجُه من محاورات الفيلسوف أفلاطون التي يُفصحُ فيها عن شغفه بالغلام أليسباديس وبممارسته المثليّة الجنسيّة في مدينة أثينا قاعدة الديمقراطية.
لم تقتصر الظاهرة على أثينا فحسب إذ عرفتها العديد من المُدن الإغريقيّة على غرار مدينة إسبرطا مُنافسة أثينا العنيدة والتي عُرفت ببأس سكانها وبشدّتهم وبالصبغة العسكرية التي التصقت بنظامها السياسي.
وفي اليونان القديم نسج المخيال الديني أساطير حول مثليّة الآلهات، وها أن اكبر الآلهات الإغريقيّة زيُوس قد عُرف بممارسته لها، وكذلك الشأن بالنسبة لآلهات أخرى مثل أبولو و هرماس وبوسيدون...
غير أن الأمر يختلف تمام الإختلاف بالنسبة للأديان المُنزّلة التي اتفقت كلّها على نبذ المثليّة الجنسيّة لإعتبارها في نظرها مُنافية للفطرة البشريّة.
وللإشارة فان المثليّة الجنسيّة نوعان.

أ ) المثليّة الجنسيّة الأنثويّة
يُطلقُ عليها اسم السحاق، وتذكر عديد المراجع أن الشاعرة الإغريقيّة صافو وقد كانت باهرة الجمال وفائقة الذكاء، تزوّجت وهي في الخامسةعشر من عُمرها وأنجبت بنتا، إلا أن زوجها اُصيب ب "لعنة" جعلته عاجزا عن أداء واجباته الزوجيّة فهجرتهُ ونفرت من العلاقة مع الرجال واتجهت إلى العذارى الحسان تُغني وتعزف معهنّ على القيثارة وتُمارسن السّحاق فاستغنين بذلك عن الرجال.
في العهد الروماني انتشر السحاق كذلك ومُورس داخل القصور الملكية وقُصور الأثرياء وخُصّصت حمّامات للنساء تُمارسن داخلها السحاق. ومن أشهر الرومانيّات اللاتي عُرفن بذلك أغرييتا و ياسا و سيرافينا
ب ) المثليّة الجنسيّة الذكوريّة
تُعرفُ تحت مُسمى اللُواط وتندرجُ في خانة المواضيع الدقيقة والمسكوت عنها لإعتبارها من التابوهات خاصة في عالمنا العربي  فهي أحدُ أضلُع مُثلّث التابوهات: الجنس والدين والسياسة، المُسيطر على الذهنية المُشتركة لمُجتمعاتنا والذي يصعُبُ التخلّص منه أو حتى التخفيفُ من ضغطه في ظل أنظمة يتقلّص فيها مجال المسموح به يوما بعد يوم ، وتُوصدُ فيه أبواب النقاش في مواضيع حياتيّة لا نتمكّن بدون تفكيك شفراتها فهمُ السّلوكات المُعقّدة ممّا ينتُج عنه الكثير من التشنّج والإقصاء الناتجين عن   والتعتيم والجهل بخفايا القضايا
والّواطُ ممارسة قديمة قدم الإنسان ولعلّها ظهرت بالتوازي مع السحاق إن لم يكن هذا الأخير نتيجة حتميّة لللّواط
انتشر اللّواط قديما في بلاد اليونان في صُفوف الرهبان والحُكماء بسبب النظر إلى الزواج الشّرعي نظرو امتهان واحتقار إذ كان يُعتبرُ عملية قذرة تُبعدُ الإنسان عن التفرّغ لخدمة الآلهة. لكن ترتّب عن هذا "المنع" لتلبية حاجيات بيولوجيّة وعن هذا الإعراض عن مُمارسة الجنس مع النساء لإعتبارهنّ وقتئذ غاويات وخائنات، ترتّب عن ذلك ميل إلى الغلمان لمُمارسة الجنس معهُم.
كتب محمد علي البار ما يلي:
" كان لكل حكيم فيلسوف كأفلاطون وابوقراط غُلام أو مجمُوعة من الغلمان الحسان يلتصقُ بهم جنسيّا بين حين وآخر إذا غلبت عليه الغلمةُ والشّبقُ سيّما عندما يُريد التفكّر في حلّ مُشكلة أو استنباط سرّ عميق."
ولقد كانت الآداب الإغريقيّة  تمدحُ المثليّة الجنسية الذكورية وتُشيد بها علما وانها لم تكن حكرا على النخبة المُثقفة إذ هناك من يعتقد أن المُجتمع اليوناني بأكمله كان شاذا جنسيّا .
فماذا عن المُجتمعات العربية قبل وبعد الإسلام؟


mercredi 27 août 2014

أصبح الإرهاب خبزنا اليومي : المعالجات


العقلانية، طوقُ النجاة

كتب الباحث الطاهر القلالي في مقال له قدّر فيه المراحل الزمنية التي مرّت قبل الآن، ما يلي:" إن اختزلنا زمن تاريخ الحياة فوق الأرض( والذي بدأ منذ ما يُقارب 3،8 مليار سنة) في سنة واحدة فقط، واعتبرنا أن وحيدة الخليّة ( أولى الكائنات الحية فوق كوكب الأرض) قد ظهرت في اليوم الأول من تلك السنة، أي 1 جانفي، لوجب علينا أن ننتظر آخر يوم من تلك السنة ( أي 31 ديسمبر ) بعد الظهر، لنُشاهد ظهور الإنسان ابدائي، وأن ننتظر مُنتصف الليل إلا الربع من ذلك اليوم الأخير من تلك السنة لنرى ظهور الإنسان المُعاصر "
هل نفذ المتشددون دينيا إلى عُمق هكذا كلام صادر عن " عالم علم" لا عن " عالم دين"؟ وهل أدركوا مغزاه؟

لطالما رفعوا شعارات خاوية المحتوى، وكرروا على مسامع الناس شعارهم المُفضل" الإسلام هو الحل "، ولطالم أوهموا بُسطاء القوم بأن كل شيء بدأ بانبلاج فجر الإسلام وبمجيء خاتم الأنبياء محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
لطالما اختزلوا تاريخ الإنسانية في تاريخ الأنبياء، وجسّموا ذلك في رسم على قدر من الغباء يمثّلُ شجرة يحمل كل غصن من أغصانها نبيّا من الأنبياء بدءا بأبي البشرية الأول سيدنا آدم عليه السلام ووصولا إلى مُبلّغ رسالة الإسلام للبشريّة.
هؤلاء ما انفكوا يوما منذ أطاح مصطفى كمال أتاتورك بأوهامهم، يُبشّرون بنظام الخلافة، مُتناسين أن الرسول الأعظم قُبض ولم يستخلف بعده أحدا. ولما ولي أبو بكر كان المسلمون ينادونه: يا خليفة رسول الله، حتى إذا جاء عمر من بعده فقالوا:يا خليفة خليفة رسول الله، فرد عليهم بقوله:  هذا امر يطول، بل انتم المؤمنون وأنا اميركم.  
هذا معناه أن عمر أحدث تحولا نوعيا في علاقة المسلمين بولي أمرهم، وخطا بثبات الخطوات الأولى نحو الفصل والقطع بين المرجعية الدينية والمرجعيّة السياسيّة، بين السلطة الروحية والسلطة الزمنيّة.
لقد كان رد عمر تجاه من تمسّك بلفظ الخلافة والخليفة، ردا قطعيا ونهائيا واضعا بذلك حدّا لحقبة هامة في تاريخ المسلمين، وهي الفترة التأسيسيّة الأولى التي كان فيها للرسول دور المُنظّر الديني والحاكم السياسي. وبوفاته وبانقطاع الوحي، وبعد أن أكمل للمسلمين دينهم وأتم عليهم نعمته، لم يعد لا زما مزج الديني بالسياسي، وانطلق المسلمون في مرحلة السياسي التي لا وُجود فيها ل " علماء الدين " خارج إطار المؤسسة الدينية أي المساجد، ولا مجال لقيامهم بدور الواسطة بين العبد وربّه، لأن العبد هو عبد الله اوانه  أصبح يمتلك من رجاحة العقل ومن المدارك الحسيّة ما يؤهّله لتحمّل مسؤولية خلافة الله في الأٍض، لذلك أوقف الله عملية بعث الأنبياء والرسل للناس.
من هنا يتأكّد عدم الحاجة إلى من يُنصّب نفسه باسم الدين، حاجزا بين الخالق والمخلوق، لأن الغاية من رسالة الإسلام هي " رفع الحواجز بين الإنسان وربّه، فلا مجال في هذا الدين لظهور سلسلة مراتب ومواقع يشغلها رجال الدين " كما كتب المُفكر علي شريعتي.
لذلك تُصبحُ عملية عقلنة كل شُؤون حياتنا الروحية كما المادية، ضرورة قصوى لمجابهة الإرهاب الفكري، وتتاكّد عملية التشجيع على التحول من مرحلة النقل الببغائي عن السلف إلى مرحلة العقلنة التي هي طوق نجاتنا من الغوغائية واللغط التي أصبحنا نعيشُها.
إن هكذا دعوة إلى العقلنة ليست بدعة إذ دعت إليها عديد الفرق الإسلامية ونادى بها عدد من العلماء المسلمين منذ قرون.

الجاحظ دعا إلى ضرورة التوقف والتثبّت والتمحيص لتمييز ما يقبله العقل لما يصلُه من معارف منقولة أو مكتوبة، وما يُنكره منها، ويقول في ذلك ، في كتابه الحيوان:" وبعد هذا فاعرف مواطن الشك والحالات المُوجبة له".وأكد على ضرورة تدريب الفكر على الشكّ وتوظيف الفكر على ممارسته( العقل) كرياضة.
منهج الشك عند الجاحظ يُقابلُه اليوم في رأيي الفكر الناقد الذي يضع الشك محل كل ما يصل إلينا سعيا للوصول إلى الحقيقة. أليس الشك طريق إلى اليقين؟
ألم يطلب سيدنا إبراهيم الخليل من ربّه أن يوريه من آياته ما يُبدد شكّه ويُدخل الطمأنينة على قلبه؟
بالعقل ميّز الله الناس عن بقية السوائم. وإذا كان الحيوان قادرا على ان يُفرّق بين نبتة ضارة فيُعرضُ عنها وأخرى نافعة فيُقبل عليها بالغريزة، فما بال الإنسان لا يُعمل عقله رغم إلحاح خالقه عليه باستعماله وتساؤله تعالى في مواضع عدة من القرآن بقواه:" أفلا يعقلون؟".
 المنطق القويم يرى إن البشر لا يتفاضلون فيما بينهم بغير العقل وبدرجة اعتماده، وانه من الخطا أن يكون تفاضلهم على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو بما أنجزه السلف. المقياس الحق هو مقياس العقل، هو وحده المُحدد لمكانة الإنسان ولقيمته.
 وضعُنا اليوم يُحتّم علينا التعقل في المسألة الإرهابو – تكفيرية، خاصة وان التكفير أصبح تهمة تُطلق جزافا في أغلب الأحيان، دون اعتماد مقاييس موضوعية، على خُصوم يُخالفون المتشددين الرأي، فيما يتعلّق بنمط عيشهم، وبطقوسهم الخاصة، وبمظهرهم الخارجي، وبنظرتهم للحياة، وبتأويلهم للنص القرآني، في الوقت الذي تبقى فيه مسألة الإيمان من عدمه مسألة شخصيّة، لا دخل فيها لأي كان حتى لا نتناقض مع قوله تعالى
" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفُر "
موقف محمد صلى الله عليه وسلم خير مرجع لنا فيما يتعلق بالتكفير، من خلال مُعاملته للصحابي أسامة بن زيد، الذي أقدم في احدى المعارك على قتل" عدو " بعد أن نطق بالشهادتين، ضانا انه نطق بهما للنجاة من موت محقق، فقال له عليه السلام:" هل شققت على قلبه ".

 قراءة جديدة للموروث تصديا للزحف الظلامي


فتوى داعشية نُشرت على صفحات الفايس بوك تقول: من لا يحب داعش فصيامه غير مقبول، صدمتني...تعمقت الصدمة بفتوى أخرى تقول: من لا يُصلي فصيامه غير مقبول... خطاب غبي تسلطيّ من قبل من يعتقد انه حاز نصيبا من " العلم " توهّم أنه غدا مُختصّا في الإفتاء، لا يُشقّ له غُبار، فتدحرج بذلك عن غير وعي إلى أدنى درجات المعرفة والأخلاق والتي يُعتبر التواضع أرفع درجاتها.

الفتوى الداعشية ذكّرتني بتصريح القاضي التيجاني محمد بن عبد الغفّار سنة 1931 في مدينة جرجيس بالجنوب الشرقي التونسي ومضمونه أن " الذين لا ينتمون إلى الطريقة التيجانيّة ليسوا مُسلمين وأنّهم من عُملاء الشّيطان". وذكّرتني كذلك بالخطاب الشهير لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، بوش الصغير وهو يستعد لإطلاق حملته" الصليبيّة " على العراق التي يعتبرها إحدى أضلاع «مُثلّث الشر" والذي ذكر فيه أن " من ليس معي فهو ضدّي".
خط رهيف يربط بين هذين القولين ومواقف المُتطرّفين والغلاة ومن يقرأ الموروث الفكري العربي الإسلامي قراءة تقتصر على الجزء المرئيّ من السّطح.
هذا الموروث وهو جزء من الموروث الإنساني، في حاجة إلى نفض الغبار عن كنوزه، وتصحيح الأخطاء التي يتضمّنها وتعديل التأويلات المُوجّهة التي يزخر بها والمُتراكمة على مر الأزمان وابراز ما فيه من قيم نبيلة كالحث على العلم الذي طالبنا به الله تعالى في أول سورة نزلت على نبيه ورسوله في غار حراء، والنّأي عن سفاسف الأمور التي ينفُخ أعداؤنا على لهيبها لإذكاء نيرانها حتّى تُلهينا عن النبش في القضايا المصيرية.
موروثنا في حاجة إلى إعادة قراءته و إلى التمعّن في مضامينه نصا قرآنيا وكتُب سيرة وما كُتب في الفقه.
إنّها لحاجة نابعة من رحم الرغبة في تجديد المُقاربات المُحرّكة للأجيال، إذ لكل جيل تصور تختلف أبعادُه عن تصوّر الأجيال السّالفة، أهمها البعد الزمني. ويبقى الهدف من كل ذلك انما هو مزيد التعمّق في المعرفة.
ونلاحظ أن إعادة القراءة هذه يجب أن تخضع إلى منهجية بحث علمي، عقلية، مُجددة، لا إلى منهجية تجترّ ما أتاه الأوائل. منهجية يُحرّكها الفكر الناقد والموضوعي وتبصّر أثافيه الثلاثة الإيمان والتدبّرُ والتعامُل مع الآخر. هذه الأثافي تختزل روح رسالة الإسلام، وكل ما هو خارج إطارها ليس سوى قشرة خارجية وضعها أولئك الذين نصّبوا أنفُسهُم إكليروسا كنسيّا شبيها إلى حد ما بالإكليروس عند المسيحيين، ما حدا بأحدهم اعتبار نفسه " خليفة لرسول الله " محتلا بذلك مرتبة الوسيط بين المُسلم وخاتم الأنبياء
 ومعلوم ان لا علاقة للقشرة بجوهر الدين، وان كل خوض فيها لا يُعد سوى جدال عقيم لا يُساهم في غير تبليد العُقول وزرع الحواجز دونها ودون الوصول إلى المنهج العقلاني المُفضي إلى الإقتراب أكثر ما يُمكن من " الحقيقة ".
الخوض في القشور من قبيل دخول الأماكن بالرجل اليمنى قبل اليسرى، والمباشرة الزوجية في ليال معلومة، والتداوي ببول البعير، وتقصير اللحى حسب شكل معيّن، والوقوف للصلاة وقوفا مُعيّنا... انما هو خوض مُوجّه لإستهلاك العامة من محدودي الثقافة والإدراك، يجدون فيه ما يُلبي حاجاتهم الروحية، ويُحرّك خيوطه بعض الذين في قلوبهم مرض، والذين انبروا يتاجرون ببضاعة لا تتطلّب غير القليل من الدهاء يضحكون به على الذقون ويُحققون أرباحا طائلة.

ومن نتائج هذا الجدال " القشري " نشر دين شعبوي لدى العامة أبعدها عن الخط الأصلي للقرآن، مُعتقدا وعبادة ومُعاملات، وهو الخط الذي قام الرسول محمد على بلورته، وبُروز فئة من محترفي الكلام يُسمى أفرادها
" علماء "، مرجعيّتهم نظام انطلق من السقيفة ليُصيب في مقتل الشّورى ويُؤسّس لخلافة سرعان ما تحولت إلى حكم ملكي وراثي استبدادي، وضع لبناته الأولى مُعاوية أحد أبناء أبي سُفيان، زعيم مكّة والذي كان من ألد أعداء محمد حتى أن ابنته أم حبيبة، وزوجة الرسول اعترفت بفشلها في جلبه إلى حضيرة الإسلام. 
بدأت أولى مُحاولات مُعاوية لتأسيس حكم وراثي منذ كان واليا على الشّام ، وجاء ذلك في رده على سؤال أبي ذر الغفاري الذي لم يرق له صرف الوالي أموال الفيء وبناؤه القصور فقال له:" أين بيتُك المُتواضع في مكة يا مُعاوية، لمن هذه القصور اليوم بالشّام؟"،  فأجاب بقوله:" إنما المالُ مالُنا والفيء فيئنا فمن شئنا أعطيناهُ ومن شئنا حرمناهُ".
وتأكدت رغبة بني أمية لمّا طالب معاوية وهو على كرسي الخلافة البيعة لإبنه يزيد من بعده، حتّى أضحت ميزة من ميزات الحكم في بلداننا إلى وقت قريب جدا إذ ظهرت أنظمة حُكم سياسية جديدة وهي " الجُمهوريّات الوراثيّة".
موروثُنا الثقافي ثريّ جدا ومتنوّع وفيه قدر كبير من التقدميّة والحداثة إى أن الجانب الرجعي فيه هو الذي طفا على السطح ما يجعل اليوم تخليص غثه من سمينه واجب مطروح على مثقفي الأمة العربية الإسلامية التي لا حل لها غير التأقلم مع متطلبات الحاضر والمستقبل مع الحفاظ على كل ما تاريخنا من إيجابيّات. هذا في رأيي مفتاح النجاح الذي نحتاج والذي وفقت في الحصول عليه أمم تتصدر اليوم ترتيب الدول المُتحضرة والمتقدمة والمُحركة لخيوط السياسة العالميّة.
أما كتابة التاريخ العربي الإسلامي فتلك ورشة تحتاج إلى الكثير من العزم و إلى تظافُر جُهود المفكرين لتخليص مكوّناته مما علق به من شوائب،  باعتماد مقياس الموضوعية والتجرد من العواطف ومن عباءة القداسة التي يلتف بها،  وبنزع الغشاوة الحاجبة للعقل، الكابحة لجماحه،  والمانعة إيّاه من الغوص إلى أعماق مواضيع حسّاسة اعتُبرت زمنا طويلا من التابوهات، وكيّفتها مواقف هوائيّة على غرار الخلافة وما دار في السقيفة،  التي لم نشف إلى اليوم من جُرحها النازف، وتضارب مواقف الأنصار والمهاجرين من خلافة الرسول، وكُتبُ الحديث ، والسلف الصالح وتحديدا الصحابة، والتفاسير المُستندة إلى الغيبيّات، والأحاديث النبوية المنسُوبة إلى الرسول، واستحواذ السياسي على الدّيني...
غير أن هذا الجهد يبقى منقوصا ما لم نعد تثمين المُثُل العليا والقيم الخالدة التي دعا إليها الإسلام مثل حبّ الوطن والتفاني في العمل، والجديّة والصدق في القول، والحرص على طلب العلم، والتسامح، والتكافُل الاجتماعي، واحترام حريّة الآخرين حتى وإن تعلّق الأمر بالمُعتقد، ونكران الجشع واللّؤم والإنتهازيّة، والمُتاجرة بالدين وبأقوات النّاس، وعدم الانقضاض على ثمار نضال الآخرين وهو ما عشناه طوال ثلاث سنوات من عمر الثورة.
ويبقى تجريم التكفير في مقدمة ما يجب ان تتظافر الجهود لإقراره لأنه الباب الذي منه ينفذ الإرهاب ولأنّه الضامن للسلم الاجتماعية من ناحية، ولأن لا أحد يملك القدرة والكفاءة لتكفير الآخر ما دام الله وحده الوكيل على عباده.