dimanche 24 février 2013

النّهضة تُحوّلُ وجهة الثّورة



                                                            " أحبّ النّاس إليّ من أهدى إليّ عُيوبي"
                                                                                           حديث نبوي شريف


   فاجأت الثورة التونسيّة الجميع، ومخطئ من يدّعي عكس ذلك. لكن فكرة الثورة كانت كامنة ومُتوثّبة في لا وعي جانب هام من النّخبة المُثقّفة، وفي صفُوف أغلبيّة الشباب الطلاّبي ، منذ نهاية ستّينات القرن المُنصرم تحديدا، يوم كان التيار اليساري يطرحُ نفسهُ بديلا للنّظام القائم. إلاّ أنّ حكومات النّظام البورقيبي المُتعاقبة أحكمت إغلاق كلّ المعابر وسدّت كلّ المسالك بتوخّي سياسة القمع والزجّ بآلاف المُعارضين في السّجون المُنتشرة من رجيم معتوق جنُوبا إلى بُرج الرّومي شمالا، وبالسّعي مُنذ بداية الثمانينات إلى تشجيع بُروز التيّار الإسلامي كأداة لضرب جماعة "آفاق" وجماعة "العامل" التونسي، ونجحت بفضل هذه السياسة في إخماد الأصوات التي كانت تنادي بتغيير النّظام والتي باتت حبيسة صُدور أصحابها، ولم تبرُز إلاّ باحتشام عبر حركة الاشتراكيين الديمُقراطيّين، التي أسّسها أحمد المستيري، بعد مُغادرته  قلعة الحزب الحر الدستوري التونسي، بمعيّة بعض "المُنشقّين" أمثال حسيب بن عمّار وراضية الحدّاد والدّالي الجازي ومحمد مواعدة وإسماعيل بولحية والباجي قائد السبسي، الذين اتّخذوا من جريدة الرّأي الأسبوعيّة منبرا للإصداع بآرائهم.                               
أمّا جماعةُ  "آفاق" التي كان الأستاذ محمد الشرفي  والحُقوقي خميّس الشمّاري من أبرز قادتها ، فقد غلبت السريّة على نشاطها  قبل أن يُنقل إلى رابطة حُقوق الإنسان، التي ناور النظام لتجاوُزها ببعث رابطة مُوالية له تراّسها الدكتور الضاوي حنّابليّة.                                                         

   في الأثناء، ومُنذ بداية الثمانينات لم  يتوقّف تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بعد تبنّي الدولة برنامج إعادة الهيكلة،  وانصياعها لتعليمات صندوق النقد الدولي المُتعلّقة بتطبيق "حقيقة الأسعار" والتخلّي عن الصّندوق الوطني للدعم، على خلفيّة تداعيات الصّدمة النّفطيّة الثانية، مما أدى إلى أحداثجانفي 1984،أومااتّفق 
على تسميتها ب"ثورةالخبز".

وبعد فترة "الإمهال"و"الإنتظار" التي عقبت انقلاب 7 نوفمبر 1987، عادت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
 إلى التردّي،  في ظلّ نظام بدأ يُكشّرُ عن أنيابه،  باعتماد سياسة الابتزاز واستغلال مقدرات الدولة،  والتعدي على المال والملك العُموميّين،  من قبل أفراد الأسرة الحاكمة ومن كان يدورُ في فلكها، فاستفحل الشّعور بالغُبن والغضب، واستيقظت فكرة الثورة شيئا فشيئا من سُباتها في لا وعي التّونسيّين، لتتّخذ من الفضاءات الرّياضيّة التي يؤمّها الشبان مجالا مُلائما للبُروز وبدأت الاحتجاجات تتضخّمُ إلى أن وصلت إلى أحدث الحوض المنجمي، أين حاصر البوليس النظامي مدينة الرديف لمدة ستة أشهر، يقتل و يعذب و يسجن و ينتهك الحرمات في ظل تعتيم إعلامي مقرف (شاهدوا وثائقي "يلعن بو الفسفاط") . إلى أن كان يوم 17 ديسمبر 2010، لما أضرم الشّاب محمد (طارق) البوعزيزي النار في جسده ، احتجاجا  على سُلُوك أحد أعوان التراتيب البلديّة في مدينة سيدي بو زيد تجاهه، وتعبيرا منهُ عن عجزه لتوفير الرزق لعائلته و ضمان حياة مُحترمة يحلُم بها كلّ آدمي على سطح الأرض. فكان القادح الذي سُرعان ما ألهب الاحتجاجات الشعبيّة في أغلب المُدن التونسيّة لتصل يوم 14 جانفي 2011 إلى مدينة تونس حيث احتشد الشباب والكُهول أمام مقرّ وزارة الداخليّة مُنادين بسُقوط النّظام ورافعين شعارات مضمُونها  اقتصادي واجتماعي لا غير.  


                                                    
في المُقابل ميّز التبعثُر والتردد، والحيرة وعدم الإجماع على موقف واحد، أغلب قوى المُجتمع المدنيّة منها والسياسيّة، دون أن يعني ذلك أنّها لم تكُن ترفعُ سرّا أو علنا، الشعارات التي هتفت بها حناجرُ المُتظاهرين من أمام مقرّ اتحاد الشّغل، وفي  شوارع العاصمة، من غير زعامات أو تـأطير من أيّ كان.  
                                                                                                            
وفيما كانت أغلبُ القوى التقدميّة  -التي التحق بصُفوفها  كلّ القوى التي كانت ترى في الثورة الوسيلة الأنجع لتغيير أوضاع لم يعُد ممكنا استمرارها أكثر- تتحرّكُ في كلّ الاتجاهات، في الأيّام الأولى التي تلت سُقُوط النظام، لتُؤمّن السّير الطبيعي للبلاد، وتُوفّر الأمن وتسهرُ بمعييه المُتطوّعين من مُواطنين على حماية المُمتلكات والمُؤسّسات العُمُوميّة، وتُنظّمُ التزوّد بالمؤونة، بمساعدة من تجنّد طوعا وتلقائيّا ليملأ الفراغ الذي خلّفهُ انسحابُ جانب هام من قوات الأمن من الشوارع، ممّا فسح المجال لقوى الردّة لبثّ الفوضى وترعيب النّاس، وإحراق المُؤسّسات والاعتداء المقصود على مقرّات السّيادة للمسّ من رمزيّتها... حدث ما لم يكُن يتوقّعُه أحد، وهو بداية عمليّة اختطاف الثّورة، وسرقتها وتحويل وجهتها من قبل أطراف يبدو عليها التنظيم والجُهوزيّة للانقضاض 
على الحُكم



أطراف تمزج بين الدين والسّياسة، ولها برامج ورؤى تُزلزلُ تنظيم المُجتمع، وتهدد نمط عيشه، وتُنادي بإعادة
 تركيز نظام "الخلافة"، بكلّ ما تعنيه هذه المؤسّسة القديمة من توريث للحُكم وما يترتّبُ عنهُ من عسف وطُغيان وأمراض اجتماعية وسياسيّة لازمت كلّ الأنظمة الوراثيّة المُستبدة عبر تاريخ الإنسانيّة و تاريخ الأمّة العربيّة-الإسلاميّة بشكل خاص، ورفعت شعارات تنادي بتطبيق الشريعة. وبدأت تتّضح ملامحُ مُخطّط يعتمد العُنف مسلكا والكليانيّة تصوّرا، والازدواجية خطابا بين طرح مدنيّ لا يرفضُ ظاهريّا نمط عيش المُجتمع، ويُبدي عزما على تطوير مجلّة الأحوال الشخصيّة نحو الأفضل(؟)، واغتراف من فكر إسلامويّ، إخوانيّ مُتشدد، برنامج لا يفصلُ بين الدّين والسياسة، ويرى أنّ الدين يعتمد النّقل أكثر من العقل، ومُعرضا عن البحث في المقاصد الحقيقيّة للدين ناكرا مُستجدّات العالم الذي نعيش، فارضا مواقفهُ عبر ميليشيات عنيفة مدّت مجاسها في مناطق عديدة من البلاد، تُرهّبُ السكّان، وتحرّكُ  خلاياها التي أيقظتها الثورة، ووفّرت لها فُرصة لم تكُن تأملُها للانقضاض على البلاد بمُساعدة مال سياسي كثير، وتدعيم من قواعدها المُنضبطة انضباطا يذكّرُ بانضباط تلك الميليشيا شبه عسكريّة التي خيّمت على أوروبا، وعاثت فيها فسادا في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي.                                                                                                          
   وأفرزت انتخابات المجلس الوطني التّأسيسي في  23 أكتوبر2012 ، انتصار حزب حركة النّهضة، وفوزه بنحو ثلث مقاعد المجلس، قبل أن يؤسّس تحالُفا ثلاثي الأضلاع على أساس "المُحاصصة وتقاسم الغنيمة"، يُمسك بمقاليد البلاد، ويشرعُ في السيطرة على القضاء وتعطيل إصلاح هياكله، ويتحرّشُ بالإعلام وينعته ب"إعلام العار"، ويجنّدُ أنصاره لمُحاصرة مبنى التلفزة الوطنيّة مُدة تُقارب الشهرين، لإركاع الإعلام السمعي البصري  وإدخاله "بيت الطّاع"، وجعله في خدمة النظام، ويبثّ مناصريه في هياكل الإدارة يُمسكون بمخانقها،  دون اعتبار لمقاييس الكفاءة والجدارة. فكانت النتيجة أن تعمّقت أزمة البلاد، وانتشرت الفوضى بكلّ أوجُهها، وانحسر الأمنُ، وتقلّص النشاط التجاري المُنظّم وأربكت الاضطرابات جهاز الإنتاج الصناعي، وتضرّرت السياحة، والتهبت الأسعار، وندُرت المواد الغذائيّة الأساسيّة، وتضخّمت عمليّات التّهريب عبر الحُدود الغربيّة والشرقيّة، وتعطّلت شبكات التّزويد بالمياه الصالحة للشراب في عزّ فصل الصّيف وفي شهر رمضان المُبارك، وقُطعت الكهرباء في عديد المُناسبات ... وفي الأثناء كان نوّاب حزب حركة النّهضة في المجلس الوطني التّأسيسي يُصادقون على القوانين التي تقضي بالزيادة في أجورهم وبتمتيعهم بمنح خياليّة وبمفعول رجعيّ، ويُحاولون إدراج تطبيق  الشّريعة في الدستور، ويُماطلون في كتابته بإثارة قضايا لم ينتخبهم الشعب لمُناقشتها 
مُدعين أنّ " المجلس سيّد نفسه"...                                                               



  وفيما كانت البلاد مفتوحة على مصراعيها على أيديولوجيّة رجعيّة مُنقطعة عن الواقع، لا تتردد في استقدام دُعاة مُغالين ليتنقّلوا عبر مُختلف أقاليم البلاد، ومن على منابر المساجد، ومن  معاقل الفكر النير والعُلوم العقليّة الصّحيحة، يُلقون خطابا يُقسّمُ التّونسيّين إلى مُسلمين وإلى كُفّار، ويُروّجون لفقه النّكاح وفقه العورة، ويدعون الفتيات في سنّ ما قبل الدراسة إلى الانخراط في برنامج "تحجيب البنات"، زارعين فيهم البُغض والكراهيّة والدعاء على من يُخالفهم الرأي بالموت غيضا، ويُروّجون عادة بالية استقدموها من العصر الجاهلي، أدانتها أغلب الشرائع الوضعيّة، ونددت بها منظمات الدفاع عن حُقوق الإنسان، ولم تكن في يوم ما من مُمارسات التّونسيّين، وهي عادة ختان البنات لكبح جماحهنّ الجنسي، وينشُرون فتاوى غبيّة كفتوى إرضاع الكبير ونكاح الزّوج زوجتهُ المُتوفاة نكاح وداع ...  تحوّلت الجوامعُ التي سيطر عليها المُتشددون من دعاة العُنف في ظلّ عجز وزارة الشّؤون الدينيّة عن مُراقبتها ، إلى منصّات تبُثّ سُمُوم التكفير والدعوة إلى الإقصاء والقتل، إلى أن تجاوزنا المحظور وقُتل في مدينة تطاوين المُناضل لطفي نقض، وحصُلت الفاجعة الكبرى يوم 6 أفريل 2013، يوم قُتل الزعيم السياسي شُكري بلعيد، فخلّف ذلك في أعماق التونسيّين  طوفانا  من الحُزن واللوعة والألم والخوف،  عبّروا عنه بعد يومين بالمُشاركة تلقائيّا وبأعداد غفيرة، لم يسبق أن شاهدناها في تاريخ تونس مُنذ الاستقلال، في موكب دفن قتيل الكلمة الحُرّة وشهيد الرّأي المُخالف ولسانُ دفاع العامل الذي سحقته الأسعار المُتعالية وتفتّتُ قدرته الشرائيّة فبات مقهورا لا حول ولا قوّة له، وقد عاف النقاشات المُطوّلة والمُجادلات 
القانونيّة، وتقيّأ السياسة والسياسيّين، والشرعيّة والشرعيّين....


  
    وهكذا، أظهرت  سنة ونيّف من حُكم حزب حركة النّهضة وحُلفائه من الحُزيبات، انعدام الكفاءة والخبرة السياسيّة لدى المُمسكين بزمام الأمور وبمقاليد النّظام، وعدم انسياق أغلب الشعب وراء مقُولات تطبيق الشريعة، و مُحاولات تعريف الهوية التونسيّة وإقصاء المُنافسين السياسيّين بدعوى إنتمائهم إلى النظام المُنهار، ولم تنطلق البرامجُ التنمويّة ، فتضخّمت الفجوة الفاصلة بين الفئات الحاكمة وهموم الشعب الذي لم يرفع البتّة إبّان ثورته شعارات تتعلّقُ بالهُويّة والشّريعة وختان البنات وفرض الحجاب وارتداء النقاب وتعدد الزوجات وقطع أطراف السّارق... بل كلّ ما نادى به  هو الحريّة والشّغل والكرامة الوطنيّة ومُحاسبة اللّصوص وإقامةُ عدالة انتقالية تُحاسب كلّ آثم في حقّ الشّعب وكلّ معتد على أمواله، بعيدا عن عقليّة الغنيمة والتدافُع، والتمكّن واستغلال الفُرص، والإلحاح في المُطالبة بالتعويضات الماليّة للمُتضرّرين من النّهضويّين، سواء منهم أولئك الذين كانوا ينعمون بهجرة ذهبيّة ، ويرتعون بين مطارات لندن وباريس وقطر، وأغلبهم من حاملي الجنسيّات المُزدوجة، يغرفون من المال السياسي "الحلال" ومن صُندوق الزكاة ما لذ وطاب لهم، يُؤسّسون الشركات بأسمائهم وأسماء زوجاتهم وأبنائهم، ويُلحقون منظوريهم بأرقى الجامعات الأوروبيّة، مُنقطعين عن واقع البلاد إلى حد أنّ أحدهم أصبح جاهلا جغرافيّتها ولم يعد قادرا على معرفة طول سواحلها، أو أولئك الذين أُلزموا بالمُكوث في منازلهم والخُضوع للمراقبة الإداريّة بعد أن سُرّحُوا من سُجون ابن علي، ولم يُعثر لهم على أثر بين جُموع المُحتجّين يوم 14 جانفي، ممّا يُؤكّد القول بأنّ حزب حركة النّهضة سرق الثّورة وقام بعمليّة تحويل وجهتها. فهل من سبيل إلى إعادة الثّورة إلى مسارها الصّحيح؟                                                                                                          
العوينة، فيفري 2013.             

samedi 16 février 2013

تداعيات اغتيال شكري بلعيد





     فتحت مراسمُ جنازة شهيد النضال في سبيل الحريّة والإنعتاق من الاستبداد والخنوع، يوم 8 فيفري 2013، يوم جرت العادة أن نُحيي فيه ذكرى الساقية التي ترمُزُ إلى وحدة المصير بعد وحدة النضال المُشترك بين الشعبين الجزائري والتّونسي ضد المُستعمر، فتحت أعيُن التونسيين على حقيقتين كلّ منهما صادمة في ذاتها، الأولى إيجابيّة البُعد والثّانية سلبيّةُ الأبعاد.

   أمّا الحقيقة الأولى فتتمثّلُ في ذلك الإجماع الرّهيب والمُهيب لمئات الآلاف من التونسييّن، يُوحّدُهُم إحساس بأنّ اغتيال شكري بلعيد إنّما هو اغتيال للكلمة الصّادقة في الدفاع عن القضايا النّبيلة، قضايا العدل والمُساواة والكرامة، ومد اليد للمُستضعفين من أبناء أمّتنا، وهو لعمري سعي إنسانيّ بكلّ المقاييس القيميّة للإنسانيّة، فهبّوا تلقائيّا ليُعبّروا عن لوعتهم وعن عُمق وجعهم،  وعن تمسّكهم الشديد بتلك القضايا، و عزمهم وإصرارهم على  مُواصلة الدفاع عنها، تحقيقا للشعارات التي رُفعت أيّام ثورة 14 جانفي 2011: شُغل، حُريّة، كرامة وطنيّة، دون تردد ودون وجل، لم تثنيهم لا مُحاولات بثّ الرّعب والفزع في صُفُوفهم من قبل مجموعات شاذة، ولا رداءة الظّروف المناخيّة يومئذ، عن إتمام مراسم دفن شهيد توقّف الزّمن تحيّة وإجلالا لنضاله.

   لقد شكّلت تلك الحقيقة رسالة رائعة عكست مدى تماسُك وتضامُن ووحدة جانب هام من هذا الشعب النبيل، الذي يعرف كيف يُكرم الشّرفاء من موتاهُ، وكيف يتمسّكُ بمبادئ ناضل من أجل تحقيقها الكثيرون إلى حد الاستشهاد، الذي أعطى لحياتهم معنى، ورفع من منزلتهم عند ذويهم بعد مُواراتهم التراب.

   أمّا الحقيقة الثّانية والصّادمة فهي مُحاولات التقسيم التي نُظّمت غداة دفن الشهيد، والتي رُفعت خلالها شعارات، تُدافع في ظاهرها عن الشرعيّة لكن تهدفُ في الحقيقة إلى تقسيم المُجتمع التّونسي إلى تونسيّين مؤمنين وتونسيّين مُلحدين أو كفرة،  ونشر قيم التمييز والإقصاء ضد فصيل من فصائل الأمّة الواحدة، والانسياق والانصياع وراء تيّار سياسيّ – دينيّ مُعيّن، ما انفكّ باروناته يُديّنون السياسة ويُسيّسون الدّين، مُنذ نشأتهم سياسيّا، ويُضفون على رئيسهم قُدسيّة وعصمة تُحتّمُ طاعة مُريديه،  وتُذكّرُ بما كان يحظى به بعض الزعماء الكليانيّين في ثلاثينات و أربعينات القرن الماضي،  من طاعة شعوبهم لهم طاعة عمياء.
     إنّ السّؤال الذي يتبادر إلى ذهن المرء في مثل هذه الظّروف المُتشعّبة والمُركّبة والمُربكة والتي تمرُ بها البلاد هذه الأيّام، هو التّالي:

من الأجدرُ بالطّاعة والانصياع وراءهُ؟

هل هو زعيمُ حركة سياسيّة – دينيّة ماضويّة المرجعيّة، يدعو إلى التقسيم والتّكفير، وإصلاح ما يبدو له اعوجاجا وخُروجا عن سياق التديُن الذي يرتئيه على النمط الوهابي المُتشدد،  والمُتشبّع بمبادئ ابن حنبل ونظريّات ابن قيم الجوزيّة وابن تيميّة، والذي واصل الدعوة إليه مُؤسّس الإخوان حسن البنّا، وذلك بحُجّة القوّة لا بقوّة الحُجّة، ولا يتوانى عن مُساندة فئات ضالّة يراهُم ضمير الثورة، ويُذكّرونه بشبابه. فئات لا تعي أهميّة الرّاهن، ولا تُدركُ خُطُورة المرحلة  التي تعيشُ، ولا تُقدّر أهميّة الفرصة التّاريخيّة التي منحها إيّاها القدر بدفع من إصرار تراكم عبر الأجيال، مُقاوما بلا هوادة الظّلم والإقصاء والتّهميش والتمييز واحتكار الحياة السياسيّة، لا بل بكلّ بساطة مُقاوما احتكار الحياة واحتكار كلّ ما ينبض فيها ... فئات لم تنخرط في تيّار التغيير الجارف نحو التنوير والانفتاح على راهن عالم اليوم، دون التفريط في الخُصوصيّات الثقافيّة والحضاريّة لشعبنا، خُصوصيّات نُحتت عبر آلاف السنين لتجعل من هذا الشعب أمّة بكلّ ما في تعريف عالم الإجتماع إرنست رونان لمفهوم الأمّة من مُتطلّبات، أُمّة لها ذاتيّة تُميّزها عن سائر الأمم ومُندمجة في ذات الآن في " الأمّة الكبرى "، الأمّة العربيّة إسلاميّة والتي لا نرى سبيلا إلى قطع الحبل السرّي الذي يربطُنا بها. أُمّة، قال أحدهم،  لها قيمها الكبرى ورُموزها وأعلامُها ومواقعُها وأزمنتُها، وعاشت أحداثا مصيريّة على مرّ التاريخ حسمت مصيرها، أي أمّة لها كلّ ما يستلهمُ منهُ وجدانُها الجماعي ليُؤسّس توازُنه، ويستصفي سُلّم قيمه وأمزجة خواطره، وليُوفّر أسباب التماسُك التي يقتضيها فنّ العيش المُشترك.



   هل هذا هُو الزعيم الجدير بالطاعة والانصياع؟ أم هي جملة رُموز تجمعُ المُتساكنين وتُوحّدُهم وتُسمّى المُشترك ، الذي تبقى أهمّ ركائزه في نظرنا:

* حوزةُ الوطن والاستعداد للذود عنها كلّما داهمها خطر من أيّ نوع كان، ليُربكها ويُزلزل أركان استقرارها بنشر أفكار غريبة لا تنصهر في  الإرث الثقافي المُشترك، ونشر قيم التفرقة والتطاحُن والتباغُض بين أفراد الأمّة .

* الرّاية الوطنيّة، العلمُ المُفدى الذي كم قضى من مُجاهد في سبيل أن يُرفرف عاليا في سماء المجد والكرامة. رايةُ البلاد ورمزُها المُقدسُ الأوحدُ والذي رُفعت إلى جانبه رايات من مُختلف الألوان، وبلغ الغباء والحمق الذي لا دواء لهُ أن عوّض بعضهُم النّجمة والهلال والسّطح الأحمر المُخضّب بدماء الشهداء، براية سوداء في لون أوهامهم، في مُناسبات عدة كانت أوّلُها بمعقل الفكر النيّر، بالمُركّب الجامعي بمنّوبة، و التي كشفت عن المعدن الأصيل الصّافي للفتاة التونسيّة الأصيلة المُتمسّكة براية البلاد ، لا ترضى لها بديلا.




* النّشيد الوطني الذي تسلّل بيتان منهُ أبدعتهما عبقريّة شاعر الخضراء أبو القاسم الشابّي، إلى حناجر شباب الأمّة العربيّة الثائر، يتلذذون ترديدها لزحزحة أنظمة استبداديّة طاغية وباغية، فقدت شرعيّتها التي اكتسبتها بالغصب وهرّأتها  بتجديد البيعات لها مرّات ومرّات بكلّ ما يُعرف و ما لم يُعرف بعدُ من أساليب التزييف والضحك على الذقون.

* التنمية الاقتصادية والاجتماعية العادلة، بإقامة اقتصاد مُترابط ومُتكامل الأنشطة، لهُ طاقةُ استيعاب أغلب طالبي الشغل، وتذليل الفوارق الجهويّة والتفاوُت بين الفئات ، انطلاقا من توافُق حول رسم الخُطوط العريضة لعمليّة تنمية عاجلة، وأخرى آجلة، يكُونُ للجهات النّصيب الأوفرُ في رسمها وفي السّهر على تنفيذها وفق احتياجات كلّ جهة، وبتجنيد كلّ القادرين على المُساهمة في التنفيذ، وبمُشاركة التلاميذ والطلاّب خلال العُطل المدرسيّة، لتتحوّل كلّ جهات البلاد بذلك إلى خلايا نحل لا تهدأ الحركة فيها.  

* مُراجعةُ المنظومة التربويّة، بفتح الآفاق أكثر أمام تدريس العلوم والتقنيّات الحديثة والتطبيقيّة، وجعل المُتلقّين أطرافا فاعلة ومُتفاعلة ومُشاركة في العمليّة برُمّتها لا مُستهلكة استهلاكا سلبيّا، ويقتصر تكوينُها على تلقينها حجما معرفيّا يُهيّئها إلى اجتياز الامتحانات لا غير .

* نشرُ ثقافة المُواطنة وثقافة الالتزام بقضايا الوطن الكُبرى والمصيريّة، ثقافة البناء والتعمير والإنتاج الفنّي والإبداع، ثقافة أساسُها الفكر النّاقد نقدا بنّاءا، لا ثقافة المهرجانات الصيفيّة التي تكاد تكون مهرجانات للأغاني وللرقص المجاني غير الهادف، أي مهرجانات لا تستفزّ الفكر ولا تُحفّز الإبداع، ولا تُشرّك المُتلقي في الفعل الثقافي، ولا تبعثُ فيه الوعي بمشاغله.

هذه في نظري بعض ركائز المُشترك العُمومي الذي يتطلّبُ منّا الأمرُ التمسّك به والانصياع إلى ندائه بروح إيجابيّة مُبدعة خلاّقة، روح وطنيّة فيّاضة.

وفوق كلّ هذا تبقى الركيزة الأساسيّة لهذا المُشترك، والمفهُوم الأسمى الذي يُوحّد كلّ التونسيّين، مفهوم الوطنيّة. أليس حبُ الوطن من الإيمان؟

هذا هو الشعار الأساسي الذي يجبُ أن يُشكّل أهمّ دافع لكلّ ما نقومُ به لنسمُو بوطننا إلى أرفع الدرجات.
وما لم يتغلغل هذا المفهوم في وعينا، فإنّنا لن نقدر على رفع التحديات، وعلى تجاوُز ما يُفرّقُنا.
إنّ حبّ الوطن وحده الضامن لجمع شملنا وتحصين مناعتنا ضد التفرقة.
فلنجعل من "حبّ الوطن" ديدننا، لنجعله معركتنا المُقبلة، نخوضُها بكلّ عزيمة وبكل تفاني.
إذا نجحنا في هذه المعركة فإنّ مُستقبلنا سيكون لا محالة أفضلُ من ماضينا القريب ومن حاضرنا البائس.
إنّها معركة حياة أو موت، معركة أن نكون أو أن لا نكون.

                                                      
العوينة، فيفري 2013.


                      

dimanche 10 février 2013

اغتيال شكري بلعيد




نزل خبر اغتيال المُحامي والمُناضل شكري بلعيد على تونس صبيحة السادس من شهر فيفري 2013 كالصّاعقة ... أدخل النّاس في حالة ذهول لفترة ليست بالقصيرة، قبل أن تتحرّر الألسُن وتنطلق الأسئلة من أفواه المُتحجّبات وغير المتحجّبات، ومن أفواه الرجال مُلتحين وغير مُلتحين ... تحلّقوا جماعات جماعات في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة يتبادلون ما تسرّب إلى أسماعهم من أخبار ... يُحاولون التأكّد من صحّتها ... كان أكثرُ الأسئلة تداوُلا:
 إلى أين نسير؟
هل هي الحربُ الأهليّة انطلقت ولا مراد لها؟
من يكونُ وراء هذه الجريمة النّكراء ؟ ومن المُستفيد سياسيّا منها؟
غيوم مُتلبّدة غطّت سماء المدينة ... طقس بارد ... وحشة تُخيّمُ على العاصمة لم أفهم سرّها ... لم أكد أسمعُ الخبر الحزين حتّى أدركتُ كُنهها ...
خبر موجع مُؤلم ... لم يُصب عائلة بلعيد ، زوجتُه وبنتيه ووالديه وإخوته وأصدقاءه ورفاق دربه فحسب ، بل أصابني في مقتل، أنا الذي لم يسبق أن قابلتُ الرجل أو تحدثت معه أو حضرتُ إحدى الاجتماعات التي كان يُؤثّثها بحُضوره الوضّاء ويملؤها بصوته الجهوريّ الذي اعتاد التونسيون سماعه عبر شاشات التلفزيون التي كانت تتسابق لاستضافته، يُدافع بحضوره في بلاتوهاتها  عن آرائه ومبادئه التي لم تكن سوى صدى لصوت" الزوّالي" ... خبر أصاب كلّ العائلة السياسيّة في البلاد... كلّ المُناضلين وكلّ المُلتزمين بالدفاع عن قضايا الحق والعدالة والمُساواة، والتصدّي للعُنف وللفساد  أيّا كان مأتاهُ وبكلّ أشكاله الماديّة واللاّماديّة ... خبر امتد إلى كافة فئات الشعب... إلى كلّ ألوان الطيف السياسي...

    إلا أنّ حُزني اقترن بالخوف من رد الفعل لأنّ القاعدة المنطقيّة تُقر بأنّ لكلّ فعل ردّة فعل ...
من يُقنعُني أنّ هذا الفعل على ما هُو عليه من قذارة لن يكون له ردّة فعل من نفس الجنس؟
عمليّة الاغتيال البشعة هذه قد فتحت في رأيي باب جهنّم على تونس، باب لن يُغلق إلاّ بعد أن تسيل أنهار من الدماء، وتُصفّى شخصيّات سياسيّة عديدة وتُسقط ضحايا قد لا يكون للكثير منها ناقة ولا جمل في باب السياسة والسياسيين ...
خوفي على بلدي،  بلد الاعتدال والتسامُح والتحاب أن يتحوّل إلى بُؤرة من بُؤر العُنف في العالم، وإلى منطقة جذب لتطاحُن قوى لا قُدرة لنا على التحكّم فيها، وقد لا يكون مثال الصومال والجزائر ومالي غريبا عنّا ...
خوفي على ثورة الياسمين أن تتحوّل إلى ثورة شوك مُؤلم ومسمُوم...
عندما يعجز المرء عن ردع طفل صغير ضال وينقصه الوعي بعواقب الأمور، فيقومُ بإشعال عود كبريت بغير سبب وجيه، فإنّه يُواصلُ صنيعُه اللاّمسؤول ليُشعل عُلبة الكبريت ... وعندما يتمادى ذات المرء في لا مُبالاته فإنّ ذلك الصغير يُشعلُ البيت كلّه ويُحوّلُه إلى رماد...
هذا ما أخشى أن تُصبح عليه تونس في قادم الأيّام والسّنين...
لقد بدأت السلسلة بالاعتداءات اللفظية وبالعُنف الخفيف ضد المُفكرين والمسرحيين والمُبدعين  والصحافيين وأصحاب الرأي الحر من الذين لا يُغرّدون مع سرب من يعتقد أنّه وصيّ على هذا الشعب في مُعتقداته و في نوعيّة لباسه وفي  نمط عيشه،  لتتواصل بقتل المرحوم لُطفي نقض وسحله بمدينة تطاوين، ثم باغتيال شهيد الكلمة الحُرة شُكري بلعيد ... إنّ الحرب الأهليّة قد بدأت... والكلّ يعرف من فتح لها الأبواب ...التاريخ لن يرحم من تسبّب فيها طال الزمان أو قصر... إنّ غدا لناظره قريبُ...


lundi 14 janvier 2013

حزب حركة النّهضة بين شتاءين أو ... سُبحان من غيّر الأحوال !




 غمر الانتشاء مُنخرطي حزب حركة النّهضة إثر فوزهم في انتخابات أكتوبر 2011 بأغلبيّة أصوات من تحوّل إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، في أوّل انتخابات تلت ثورة 14 جانفي، فطفقوا يرسمون خريطة طريق مُستقبل لم يتهيّؤوا للعب الأدوار الأولى فيه، يُراودهم حُلمُ  المسك بمقاليد البلاد لعُقود مُتتالية، حُلم أيقظ تلهّف قيادتهم للسّلطة وجُمُوحها اللاّمحدود للوُصول إلى الحُكم، وأغشى بصيرتها عن قلّة خبرتها وهُزال تجربتها السياسيّة في إقامة نظام حُكم خلافي على أساس الشّريعة، بشّر به رئيس الحُكومة المُؤقّتة في اجتماع مشهُود في مدينة سوسة مسقط رأسه، ويُؤمنُ به رئيس الحركة إيمانا راسخا،  وعبّر عنهُ في كتاباته العديدة، وهو الذي عُرف عنه ازدواجية الخطاب بامتياز، إذ كثيرا ما قدّم  خطابا ظاهرُه ديمُقراطي تعددي وباطنُهُ سلفي تيوقراطي ولا يرى في الديمُقراطيّة سوى ضرورة تفرضُها الظروفُ ومقفزة منها تنطلقُ الأمّة لإرساء قواعد النّظام الإسلامي.

   إلاّ أنّ الوُصول إلى مُستوى المسؤوليّات الأولى،  والنجاح في إدارة شؤون البلاد،  يتطلّبان بُلوغ درجة مُتقدمة من الوعي بأوجاعها والتفاعُل مع مشاغل شعبها والتملّص من التحزبية الضيّقة واكتساب للحسّ الوطني،  والارتقاء الفكري لمُلامسة المصلحة العامة،  وإيثارُها على المصالح الأنانيّة الضيّقة.

   لكن يبدو من خلال ما اعترض الحُكومة المُؤقّتة أن وُزراء النهضة لم يكتسبوا بعدُ الخصائص الضروريّة لمُمارسة السّلطة ممّا أدى إلى تآكُل " رأس مال الثقة " الذي منحهُ لها ناخبُون غرّهم تديّنُ السياسة الذي مارسه النهضويّون خلال حملتهم الانتخابية، فاندفعوا يصوّتون لفائدة من " يخافُ اللّه " من بين المُرشّحين للمجلس التّأسيسي.

   أهم هذه الخصائص في رأيي هي:

·    القدرة على القراءة الدقيقة والمُعمّقة لواقع البلاد وتشخيص مُختلف الأمراض التي تُعانيها ليتسنّى التوصّل إلى الحُلول النّاجعة في أسرع وقت ممكن.

·    التصرّف من قبل المسؤُولين على أنّهُم رجالُ دولة لا رجالُ حزب مُعيّن.

·    المُحافظة على ثقة النّاخبين، والسّعي إلى كسب ثقة من لم يُصوّت من النّاخبين لحزب حركة النّهضة، وتدعيم تلك الثقة تمهيدا للانتخابات المُقبلة.

فما الذي حدث بين شتاء 2012 وشتاء 2013 ؟
وهل وُفّق مُمثّلو حزب حركة النّهضة المُمثّلين للعمود الفقري للحكومة المُؤقّتة في اكتساب تلك الخصائص ؟

1 ) الانزلاق إلى هامشي المشاغل أضاع وقتا ثمينا

   كان من المفروض، بعد الانتخابات، انطلاق أعضاء المجلس التأسيسي في إنجاز دستور جديد للبلاد يعكس مطامح الشعب المُتعلّقة بتحقيق الديمُقراطيّة والتنمية والشّغل والكرامة والعدل. إلاّ أنّ أعضاء المجلس ال 217 انطلقوا انطلاقة خاطئة، وأضاعوا وقتا ثمينا قارب الشّهرين في إعداد الدستور الصغير والمُصادقة عليه لتنظيم وتقنين أعمال المجلس، تلاها ضياع آخرُ لوقت أثمن في مُناقشة قضايا خلناها محسومة منذ عُقود مثل الهُويّة، ووضعُ المرأة في المُجتمع، وتطبيقُ الشريعة، وتعريف البلاد التونسيّة التي عرّفها الفصل الأوّلُ من دُستور 1959، تعريفا فصيحا وواضحا يختزلُ تونس اختزالا عبقريا،  ويقدم وصفة دقيقة للأمن الثقافي والاجتماعي والديني ضد التهديدات القاتلة،  كما عبّرت عن ذلك الدكتورة آمال موسى في كتابها " بورقيبة والمسألة الدينيّة ".

 وكان من المُنتظر التفاف النوّاب حول هذا الفصل والتفرغ لكتابة بقيّة فًصول الدستور لا إضاعة الوقت،  ممّا أدى إلى الانزلاق إلى مُناقشة تفرّعات عديدة لقضايا ثانويّة، عوضا عن مُناقشة تأسيس الهيئات المُنظّمة للعدالة،  والإعلام،  والانتخابات،  والتي ستُنقلُ البلاد من الوضع المُؤقّت إلى وضع الاستقرار لمُباشرة القضايا الكُبرى والبحث لها عن حُلول جذريّة.

   وما يحزّ في أنفُس  المُواطنين، تصرّفُ نوّاب الشعب فيما يتعلّقُ بمُستحقّاتهم من المنح، تصرّفا غلبت عليه الأنانيّة المُفرطة في وقت تعيشُ البلاد تدهوُرا غير مسبُوق للقدرة الشّرائيّة، وارتفاعا مُشطّا لأسعار المواد الغذائيّة التي أصبحت نادرة الحُضُور في الأسواق، ممّا يدلّ على قلّة الوعي بمٌعاناة أغلبيّة الشعب التونسي، الذي أصبح يُكابد ليصمُد أمام ضنك العيش، فيما يعمد النوّابُ في المُقابل إلى المُصادقة على منح أنفُسهم زيادة ب 50% في منحهم، وتفعيلها تفعيلا رجعيّا!!!

أمّا سعيُهُم إلى جعل منحهم سارية المفعول مدى الحياة فتلك قصّة عجيبة أخرى.

إنّ هكذا سعي يذكّرُني بقانون 88 لسنة 2005 الذي مرّرهُ الرئيس الفار في فصل الصيف وصادق عليه نوّاب مجلس الشعب والقاضي بتمتّعه ( الرئيس ) بأكثر ما يُمكن من امتيازات ماليّة له ولذويه حتّى بعد وفاته.لكن " الّي يحسب وحدو يُفضلّو " كما يقول المثل الشعبي.

   وعليه فإنّه بالإمكان الجزمُ بأنّ الحُكُومة،  وأعضاء المجلس الوطني التأسيسي، لم يقرؤوا واقع البلاد قراءة مُعمّقة، ولم يُدركوا عُمق الرسائل التي وجّهها المُتظاهرون والمُضربون والمُعتصمُون الإدراك الجيّد، ولم يُحسنُوا تشخيص علل البلاد،  لذلك فإنّهم عجزوا عن توفير الدواء الشّافي لتلك العلل، وهذا وجه من أوجُه فشل حكومة المرحلة الانتقالية الثانية، بين شتاء 2012 و شتاء 2013.

2 ) تصرّف المسؤولين كرجال دولة لا كرجال حزب

   شُكّلت إثر الانتخابات حكومة ثلاثيّة الأثافي: حزب حركة النهضة والتكتّل والمُؤتمر وتمحورت مطالبُ الشّعب بأكثر وُضوح وتمحور حول:

·    تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي صدعت بها حناجر الشباب في مُختلف جهات البلاد بين ديسمبر 2010 وجانفي 2011، إن لم نقُل منذ أحداث الحوض المنجمي سنة 2008 التي أخمد نظام ابن علي نيرانها لكنه لم ينجح في إطفاء  جذوتها .

·    التقدم على درب التنمية الجهويّة الحقيقيّة في المناطق التي طويلا ما هُمّشت، وذلك بحُسن استغلال ما تزخر به من موارد طبيعيّة وبشرية وجلب الاستثمارات الوطنيّة والأجنبيّة إليها.

·    تحقيق الانتقال الديمُقراطي.

·    إصلاح ما فسد من مُؤسّسات تسرّبت إليها الأمراض الاجتماعية من رشوة ومحسوبيّة واعتماد على مسؤولين غير أكفّاء يُدافعون عن مصالح الطغمة الحاكمة أكثر من حرصهم على المصلحة الوطنيّة العُليا.

   لكن شيئا فشيئا وجد الشعبُ نفسه في وضع من يُشاهد مسرحيّة مُزجت فيها التراجيديا بالكوميديا تقاسمت الأدوار فيها مُختلفُ الأحزاب السياسيّة وأهمّ فُصولها:

·    الانفلات الأمني.

·    إيقافُ موجة التكافُل والتضامُن الاجتماعيين التي عمّت الشّعب في الأيّام الأولى التي عقبت سُقُوط النظام البنعليلي، وخلال الأيّام التي عرفت فيها البلادُ كوارث طبيعيّة: أمطار وثلوج غمرت عديد المناطق بالشمال الغربي وعزلتها عن بقيّة تراب البلاد.

·    تتالي أعمال العُنف اللفظي والمادي من  قبل مجموعات نصّبت نفسها ناطقة حصريّا باسم الدين الإسلامي ومُقسّمة المُجتمع إلى مُسلمين وكُفّار.

·    تتالي الهجمات ضد المراكز السياديّة من قبل من اعتبروا أنّ حُقوقهُم قد هُضمت وأنّ أصواتهُم لم تصل إلى ما يجبُ أن تصل إليه.

·    الاعتداء الموصوف على المقر المركزي للإتّحاد العام التونسي للشغل بعد أن سبق أن تعرّضت مقراته الجهويّة إلى اعتداءات من قبل فرق تُطلقُ على نفسها اسم روابط الدفاع عن الثورة ولم يُشاهد أعضاؤها عندما كانت الأرض ترتج تحت أرجُل النظام المُنهار.

·    سُقوط أوّلُ قتيل بسبب العُنف السياسي  بمدينة تطاوين، وهي عمليّة كادت أن تتكرّر  في مدينة جربة عندما عقد حزب نداء تونس اجتماعا عاما بأحد النزل.

·    استعمال العُنف المُبالغُ فيه من قبل الأجهزة الأمنيّة تُجاه التحركات الشعبيّة بمدينة سليانة، ورشّها السكّان رشّا ألحق التلف بأعيُن الكثير من شُبّان المنطقة.

   كلّ هذه الأحداث أحلّت الاختلاف محلّ التوافُق في صُلب الترويكا ذاتها،  وبين رئاسات ثلاثة تشتّت جُهدها بين الفعل وردّ الفعل.

     لكن كيف كان تصرّف المسؤولين النّهضويين منهم تحديدا ، والذين يُشكّلون أغلبيّة التفت على كلّ مفاصل الدولة وتحكّمت في وزارات السيادة، إزاء ما كان يدك البلاد ويُهدد بإسقاطها في ظُلُمات الفتنة؟

   أشكال ثلاثة ميّزت تصرّف حزب حركة النهضة ووُزراءه في الحكومة المُؤقّتة، يتمثّلُ الشّكل الأوّلُ في تكذيب الأطراف " العدوّة " واتّهامها ب " الاصطياد في المياه العكرة "، وب "تعطيل سير الحُكومة بوضع العصا في العجلة "، وهذه العبارة الأخيرة أصبحت من كثرة استعمالها ممجوجة ومُثيرة للسّخرية، لأنّ كثيرا من التونسيّين لا يرون للعجلة أثرا حتّى توضع فيها عصا تُعطّلُ تقدمها.
أمّا الشكل الثاني فيتمثّلُ في التّهوين من خُطُورة ما يحدُث، واعتباره حركات ارتدادية طبيعيّة ومُنتظرة بعد ثورة أسقطت نظاما تحكّم في البلاد والعباد لأكثر من عقدين.
ويتمثّلُ الشكلُ الثالث في الإقرار بأنّ ما حصل خطير ويستوجب بعث لجنة تُحقّق في الأحداث، ويترأسها عضو من حزب حركة النّهضة( سعيا إلى ضمان الموضوعيّة !).

   غير أنّنا لم نلمُس نتائج تُذكر لعديد اللجان  التي تأسّست،  مثل لجنة البحث في اعتداءات 9 أفريل 2012 ضد من أراد يومها تكريم شهداء الوطن الذين طالبوا ببرلمان تونسي سنة 1938.

   المُلفت حقّا أنّ  كلّما جدت أعمال عُنف من قبل السلفيّين المُتشددين والمُتماهين مع أطروحات حزب حركة النّهضة، إلاّ ورأيت زعيم الحركة يُسرعُ إلى تقديم تبريرات قليلا ما أقنعت المُلاحظين مثل :
 " مُمارسة الحقّ في حريّة التعبير الذي وهبتهُ الثورة للتّونسيّين " من قبل من " يُذكرونه بشبابه "، وأنّهم " ضمير الثورة الحيّ " و " لا سبيل إلى التخلّي عنهم بحل روابط الدفاع عن الثورة "... إلى أن انتهى الأمر بالعبث بالمصالح العليا للدولة بمُهاجمة سفارة الولايات المُتحدة الأمريكيّة عشيّة 14 سبتمبر 2012، والاعتداء على المقر المركزي للإتّحاد العام التونسي للشّغل عشيّة 4 ديسمبر وتعنيف الشغالين ببطحاء محمد علي في سابقة لم يشهدها الإتحاد منذ تأسيسه حتّى عندما توتّرت علاقته بالنظام البورقيبي في مُناسبتين، 1978 و 1984.

   هذا يعني أن حزب حركة النّهضة قد تغوّل بعد السيطرة على دواليب الدولة، وأصبح يُهدد تماسُك حُكومة ثلاثيّة الركائز، هي قليلة التماسُك أصلا مُنذ تأسيسها، لأسباب موضوعيّة تتعلّقُ بالتبايُنات الفكريّة بين مُكوّناتها، وأنّ باروناته  أصبحُوا لا  ينتصرون لغير حزبهم ومُنخرطيهم، مهما كانت أخطاؤُهم، رغم تحمّلهم لمسؤوليّات وطنيّة، ممّا يُفسّر فشلهم في مُعالجة ما يجدّ من أحداث، وتصرّفهُم تصرّفا مُنحازا إزاء قضايا ذات بُعد وطنيّ، كانت آخرتُها شُبهة الاتهام بالفساد المالي التي وجّهتها المُدوّنة ألفة الرياحي ضد وزير خارجيّة الترويكا، والذي انتصب زعيمُ الحركة ذاتُه،  في خُطبة الجُمُعة ليُكيل لها الاتهام بالقذف، ويحكُمُ عليها بالجلد قبل أن تنظُر العدالة في القضيّة، فيكون بذلك قد انتصر لصهره ولوزير من حزبه، وأوغل في التعصّب لهُ، تعصّبا يُغشي الأبصار والبصائر عن رُؤية الحق، ويُقحمُ ثوابت الدين في مُعترك السياسة الحزبيّة، إقحاما يُؤذنُ بالفُرقة والتشرذم، ويُخفي تكالُبا على المناصب الزعامتيّة، وتدافُعا للتمسّك بكراسي البُروز الأجوف، وإتيان كلّ وسيلة للوُصول إلى الهدف، كما عبّر عن ذلك الأستاذ بدري المداني.

3 ) تآكُلُ رأسُ ما الثقة بين الحُكُومة والشّعب

   لم تعش حركة النّهضة منذ مسكها بزمام الحُكم،  وضعا أسوأ من الوضع الذي تعيشُهُ هذه الأيّام، ونحنُ نحتفل بالذكرى الثانية لثورة ديسمبر- جانفي، والذي يبدُو أنّهُ بلغ ذروة السّوء بعد أحداث مدينة سليانة وإطلاق قوات الأمن الرشّ  على المُتظاهرين  بكلّ حزم وّبتفاني،  تنفيذا لأوامر أتت بسُرعة، فيما تعجز ذات القوات على التصدّي للمتعجرفين وللجاهلين الذين أعمى بصائرهم التمسّك بأطروحات وبقراءات لا يكمن  إلاّ أن تؤدي بنا إلى الخروج من سياق التاريخ الذي نعيشُ، قبل أن يهاجموا  في جُنح الظلام و بشراسة الجُبناء، مقامات و مزارات  أولياء اللّه،  الذين  وبغضّ النظر عن تعلّق العوام بها وتمسّحهم على عتباتها وعلى  ما تحويه من أضرحة، وهو ما لا يمكنني قبولُه، إلاّ أنّها تُمثّل جانبا من التراث الروحي، وجُزءا من موروثنا الثقافي، الذي يُعتبر المسُّ به اعتداء سافر على مُكوّن قاعديّ من مُكوّنات الشخصيّة التّونُسيّة بكلّ أبعادها، هذا من ناحية.

   ومن ناحية أخرى فإنّ العلاقة بين أهمّ مُكوّن سياسي للترويكا وبقيّة مُكوّنات المشهد السياسي في البلاد اليوم، ما انفكّت تتدهور، ممّا أوجد خُصوم النهضة في حالة صُعود مُستمر خاصّة حزب نداء تونس الذي تأسّس منذ جوان 2012، والذي بات مُنافسا جديّا للنهضة حسب أخر عمليّات سبر للآراء، وها هو اليوم يُؤسّس بمعيّة أربعة أحزاب أخرى " الإتحاد العام من أجل تونس"، بعد أن كان حزب حركة النّهضة في شتاء 2012 يُهيمن على المشهد السياسي بمُشاركة خفيفة الوزن من حزبي التكتّل والمُؤتمر، ويتغنّى بمُساندة أغلب الشعب لهُ. إلاّ أنّ هذا التغنّي بدأ يخفُتُ صوتُه، ويأفلُ بريقُهُ، تحت وطأة المطبّات التي أدخل فيها البلاد، بسبب نّقص الكفاءة  الفاضح لوُزرائه عند  التعاطي مع قضايا الشّأن العام، والذي أكّدتهُ أحداثُ مدينة سليانة والعُمران ومنزل بوزيّان وقفصة وتطاوين وقابس ودوار هيشر والكاف والقصرين وسيدي بوزيد من قبل، إلى حد بدأ معه التحالف الترويكي قابلا للتفكك الذي يعكسُه موقفُ التكتّل من غزوة مقر الإتحاد العام التونسي للشغل فيما كان يُحي  الشغّالون الذكرى الستّين لاغتيال الشهيد فرحات حشّاد.

   وفي الحقيقة لئن استفاد شركاء حزب حركة النهضة من المُشاركة في الحُكم اعتمادا على سياسة المُحاصصة فيما يتعلّق بالمناصب الحكوميّة، أو ما يسمّيه المُعارضُون " اقتسام الغنائم "، فإنّه لا يبدُو أنّهم على استعداد لتقاسُم المخاطر مع النّهضة لرفضهم  المُغامرة بمُستقبلهم السياسي فيما يتعلّق بالصدام مع المُنظّمة الشغّيلة، مما أضفى على المشهد السياسي ضبابيّة جعلت قراءتهُ مُستعصية شيئا ما مُنذ مُطالبةُ رئيس الدولة بحُكومة محدودة الأطراف من ذوي الكفاءات العُليا، مُطالبة ليست سوى مُرادف لفشل حُكومة الترويكا في قيادة البلاد، في ظلّ تغيّر جليّ لميزان القُوى السياسيّة لفائدة " أعداء النّهضة "، رغم الحرص الشديد وغير المسبُوق بتمرير مشروع قانون تحصين الثورة الذي يرى الكثير أنّهُ لا يهدف إلاّ  لكسر شوكة الجبهة الأقوى في صفوف المُعارضين، جبهة حركة تونس التي أسّست
" الإتُحاد من أجل تونس ".

  الخاتمة

   يتبيّنُ إذا، وبعد مُرور سنتين من اندلاع الثورة التونسيّة، وسنة واحدة على تسلُم حزب حركة النهضة شؤون أغلب الوزارات،  أنّ مناخ الثقة والالتفاف حول هذا الحزب، الذي عقب انتخابات أكتوبر 2011، قد حلّ محلّه مناخ من الريبة والتوجّس من قُدرة النّهضويين على الوُصول بالبلاد إلى شاطئ السلامة،  ما لم تُرسم سياسة واضحة المعالم، ويتمّ التخلّي عن" النفاق و التلوّن السياسي"الذي يمارسُه زعيمهُ ، وعن ازدواجية الخطاب والمواقف تُجاه ما يجد من أحداث، وأن يُعالج الحزب من انفصام الشخصيّة و من البرانويا الذين لازماه، ويمُد أيديهُ إلى كلّ الشّركاء في هذا الوطن،  بحثا عن أيسر السّبُل وأقصرها للخُروج من حالة التأزّم والإحباط ، الذي وجد الكثير من التونسيين أنفُسهم غارقين فيه ، تملؤُهُم  قناعة بأنّهم  رُبّما لم يُحسنوا الاختيار يوم 23 أكتوبر من السنة قبل الماضية.


jeudi 3 janvier 2013

ماذا أضاف للحياة السّياسية توالُد الأحزاب في تونس ما بعد الثّورة؟



إحدى ابداعات "زاد" Z الفنان الكاريكاتوري التونسي  


   ثورة الياسمين، هكذا سمّاها البعض رغم اعتراض  الكثيرين  على هذه التّسمية، ألقت في ظلُمات التّاريخ، وفي  فترة زمنيّة وجيزة جدا،  لا تزيد عن الشّهر الواحد، نظاما طغى على البلاد والعباد، وفتحت للحُريّة بابا اجتهد النظامان السّابقين في إحكام إغلاقه، وأطلقت العنان لألسُن ألجمت عقودا طويلة فانبرت تتلذذ نسمات تحرر الحياة السياسيّة من الحواجز التي أعاقت سيرها الطّبيعي، وهو لعمري مكسب غنمهُ الشعب و لا يُقدرُه حقّ قدره إلاّ من حُرم منهُ، في انتظار مغانم أخرى قد تأتي وقد ... لا تأتي !!!
   ومن البديهي أن يهيئ التحرر إيّاهُ مناخا مُلائما لظُهور عشرات الأحزاب السياسيّة والمُنظّمات المدنيّة.

 وبالفعل فقد بلغ أو ربّما تجاوز عدد الأحزاب السياسيّة في البلاد اليوم مائة وخمسون حزبا، أي بمُعدّل حزب واحد بالنسبة لكلّ 700 مُواطن، هذا دون اعتبار غير المُتحزّبين من المُواطنين، ممّا قد يُرفّعُ من عدد المُواطنين لكلّ حزب سياسي بغضّ النظر عن اختلاف أحجامها واختلاف عدد المُنضوين تحت لواء كلّ واحد منها، وهو لعمري مُعدّل قل أن وُجد نظير له في العالم بشقّيه النّامي حديث العهد نسبيّا  بتحرر الحياة السياسيّة، والمُتقدم الذي راكم تجربة الممارسة السياسيّة التي زادها دفعا عصر الأنوار واندلاع الثورة الفرنسيّة في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، والتي قضت أو كادت على الأنظمة السياسيّة في شكلها التّقليدي، لتفسح المجال لظهور النظام الجمهوري الحديث.

   ولئن  يرى جانب من المُلاحظين أن ما رافق عمليّة تحرير السياسة في تونس،  ونزع عنها عقال الكبت والخوف، من توالُد لعشرات الأحزاب السياسيّة أمرا سلبيّا، لما قد يترتّب عنهُ من تشعّب للحياة السياسيّة، قد  يؤدّي إلى عُزُوف جانب هام من المُواطنين عن الإقبال على الانخراط فيها،  خاصة وأن المناخ السياسي قد غلب عليه التوتّرُ، والتراشُق بالتّهم،  والميلُ إلى العُنف اللّفظي وحتّى الفعلي، فإنّ الجانب المُقابل يرى في ذلك علامة صحّة جيّدة،  ودليل على نجاح الثورة في إحياء الإدراك والوعي السياسي للمُواطن،  وترغيبه في المُساهمة في الحراك السياسي،  وإبداء الرّأي فيه على أساس أنّه شأن عام.

   يبدو أن لكلّ من الطرفين في ذلك مُبرّراته التي يراها منطقيّة ومُقنعة ومُتضمّنة لقدر ليس بالهيّن من " الحقيقة ". إلاّ أن الرّأي عندي أنّهُ لا سبيل إلى الحدّ من الحريّة التي أنتجتها الثورة، لأنّنا سنكونُ بذلك من دُعاة الاعتماد على الأساليب القمعيّة،  التي لطالما ركبتها الأنظمة الغاصبة لحُقوق شُعوبها،  وفي مُقدمتها حُريّة التعبير عن الرأي المُخالف، وهو ما لا سبيل إليه بعد أن لفظ الشعب المنظومة القديمة لفظا لا رجعة فيه. إلاّ أن هذا الموقف المبدئي لدعم الحريّات بمُختلف أشكالها لا يعني ضرورة النظر بعين الرضا لتوالُد التّشكيلات الحزبيّة،  توالدا لا محدودا حتّى يُصبح من العسير على المُواطن أحيانا التفريق بين حزب وآخر،  لا على مُستوى الاسم فحسب بل كذلك على مُستوى البرامج وطُرُق العمل والمُخططات،  متوسّطة وطويلة المدى والأهداف العاجلة والآجلة. إنّنا نُلاحظ اليوم على الساحة السياسيّة تواجُد عدد من الأحزاب استنسخت برامجها و أسماءها من أسماء وبرامج بعض الأحزاب الأخرى، ولا أدلّ على ذلك من أنّ أسماء البعض منها مُشتقّ من ألفاظ العدل والتنمية والعدالة والنماء والنموّ...

   ولئن ساهمت هذه الأحزاب في وقت ما في تنشيط الحياة السياسيّة،  إلاّ أنّها ساهمت من جانب آخر في تشتيت المجهود السياسي،  وأدخلت على إدراك المُواطن ارتباكا دفع به أحيانا إلى مُقاطعة العمليّة الإنتخابيّة كليّا، وبالإضافة إلى ذلك فإنّها  تعيش أوضاعا مُضحكة – مُبكية لعجز بعض أمنائها العامين عن دفع معاليم كراء مقرّاتهم التي تفتقر إلى أبسط التّجهيزات، فضلا عن عجزهم عن تركيز هياكل تنظيميّة لأحزابهم تتضمّن لجانا منها لجنة الدعاية،  ولجنة الإعلام والاتصال،  ولجنة الدراسات الإستراتيجيّة التي تعنى برسم السياسة الإستشرافيّة والسّهر على تنفيذها،  ولجنة تعنى بتركيز المقرّات الفرعيّة في مختلف جهات البلاد، ولجنة النشر التي تُدير جريدة ناطقة باسم الحزب،  يعبّر فيها عن مواقفه من القضايا الأساسيّة والهامشيّة منها،  خاصة تلك التي استنفذت من أعضاء المجلس الوطني التأسيسي وقتا ثمينا مثل قضايا الهويّة الوطنيّة، وتطبيق الشريعة من عدمه، ومكانة المرأة في المُجتمع، وختان البنات الذي روّجه بعض دُعاة السلفيّة الموغلة في الجهل بمقاصد الدين، وإلزاميّة ارتداء الحجاب أو النّقاب، والاختلاط في المُؤسّسات التربويّة وفي مراكز العمل وفي وسائل النقل وحتّى في مناطق الاصطياف، وإعادة الحياة للتعليم الزيتوني، والجدال الذي قام حول استقدام دعاة سلفيين مشارقة بثّوا أفكارا غريبة عن مُجتمعنا، وثقافتنا وتقاليد هذه البلاد، بالإضافة إلى القضايا الأساسيّة مثل البطالة، والفقر،  وتهميش الأقاليم الداخليّة ، وظاهرة الانحراف، وارتفاع نسبة الإجرام ونسبة الانتحار، بالارتماء في أحضان البحر أملا في الوُصول إلى ضفّة الأحلام،  أو بالدخول في إضراب جوع مُتوحّش أدّى إلى حد اليوم إلى وفاة شابين في مُقتبل العمُر .

   لقد أصبحت ظاهرة أو موضة تعدد الأحزاب،  تثير قرف المُواطن من السّياسة وتوشك أن تدفعه إلى اللاّمُبالاة التي رافقته زمن النظام المُنهار، لأنّه أصبح يعتبرها سببا من أسباب بلائه لما يصدرُ عن البعض من السياسويين من تكفير،  وسباب وتراشُق إعلامي،  لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال أن يرتقي بدرجة الوعي لدى المُواطن، بل يُسقطنا في الابتذال السياسي ويبعدنا عن تحقيق أهداف الثّورة.

   إنّ السّؤال المطروح اليوم هو التالي: لماذا لا تتحّد الأحزاب التي تشترك في نفس المرجعيّات الفكريّة ولها نفسُ  البرامج وتتقاربُ في الأهداف  في جبهة مُوحّدة،  كما يحدث في صفوف الديمقراطيين والمُساندين لمطامح الطبقات الشعبيّة، و ما قد يُسفر عنه في  قادمُ الأيّام من اتحادات وتجمّعات وجبهات أخرى، فتنقسم الأنشطة السياسيّة بذلك إلى أربع تيارات أو عائلات سياسيّة كبرى وهي تيّار الإسلام السياسي ويضم النهضة والسلفيين بشقّيهم الدعوي والجهادي، ومن لفّ لفّهم،  والتيار الليبرالي الذين يّطلق عليهم أنصار الإسلام السياسي اسم " أزلام النظام السابق" والتيار اليساري، والتيار القومي.

   وهكذا تُصبحُ الحياة السياسيّة أكثر توازنا ممّا أسفرت عنه انتخابات 23 أكتوبر 2011، التي أفرزت  استئثار حزب حركة النّهضة بنسبة مُرتفعة من الأصوات،  لكن غير كافية لتحقيق الأغلبيّة،  فاضطرّت إلى التحالُف مع أحزاب ضعيفة تضمن لها  الحُصول على الأغلبيّة،  لكن  في المُقابل تفرض عليها اختياراتها إن كان الأمر يتعلّق بإصدار القوانين المُنظّمة للحياة العامّة،  أو بوضع دستور على مقاسها، نخشى أن يُتراجع فيه يوم تتغيّرُ موازين القوى السّياسيّة في البلاد.

   وهكذا تُخلّصُ الحياة السياسيّة من التشعّب،  ويُصبح المُواطن على إدراك أعمق بمُكوّنات المشهد السّياسي، وتتّضح الرّؤية لديه،  ولا نشهدُ تشتّت أصوات النّاخبين كما حدث خلال آخر انتخابات، أو ربّما عُزوف جانب منهم عن الإقبال على صناديق الاقتراع والتصويت لفائدة من يستأنسون بكلّ حريّة واقتناع،  وهو حقّ آخر إلى جانب حريّة التعبير، ضمنته لهم الثورة.